الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٢ - حديث الأصمعي و غيره عنه
فقال: إني أسألك عن شيء تحاكمنا إليك فيه؛ فقال: و ما هو؟ عليكما لعنة اللّه. قال: فأيّ الرجلين عندك أشعر:
أ جرير أم الفرزدق؟ فقال: لعنكما اللّه و لعن جريرا و الفرزدق! أ مثلى يسأل عن هذين الكلبين! قالا: لا بدّ من حكمك. قال: فإنّي سائلكم قبل ذلك عن ثلاث. قالوا: سل. قال: ما تقولون في إمامكم إذا فجر؟ قالوا: نطيعه و إن عصى اللّه عزّ و جلّ. قال: قبحكم اللّه! فما تقولون في كتاب اللّه و أحكامه؟ قالوا: ننبذه وراء ظهورنا و نعطّل أحكامه./ قال: لعنكم اللّه إذا! فما تقولون في اليتيم؟ قالوا: نأكل ماله و ننيك أمّه. قال: أخزاكم اللّه إذا! و اللّه لقد زدتموني فيكم [١] بصيرة. ثم ذهب لينصرف؛ فقالوا له: إن الوفاء يلزمك، و قد سألتنا فأخبرناك و لم تخبرنا؛ فرجع فقال: من الذي يقول:
/
إنّا لنذعر يا قفير [٢] عدوّنا
بالخيل لاحقة [٣] الاباطيل قودا
و تحوط حوزتنا و تحمي سرحنا
جرد ترى لمغارها [٤] أخدودا
أجرى قلائدها و قدّد لحمها
ألّا يذقن مع الشّكائم عودا
و طوى القياد مع الطّراد متونها
طيّ التّجار بحضرموت برودا
قالا: جرير، قال: فهو ذاك، فانصرفا.
حديث الأصمعيّ و غيره عنه
: أخبرني عمّ أبي عبد العزيز بن أحمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال قال الأصمعيّ و ذكر جريرا فقال [٥]:
كان ينهشه ثلاثة أو ربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهره و يرمي بهم واحدا واحدا، و منهم من كان ينفحه [٦] فيرمي به، و ثبت له الفرزدق و الأخطل. و قال جرير: و اللّه ما يهجوني الأخطل وحده و إنه ليهجوني معه خمسون شاعرا كلّهم عزيز [٧] ليس بدون الأخطل، و ذلك أنه كان إذا أراد هجائي جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا و هذا بيتا، و ينتحل هو القصيدة بعد أن يتمّموها.
قال ابن سلّام: و حدّثني أبو البيداء الرّياحيّ قال قال الفرزدق: إنّي و إيّاه لنغترف من بحر واحد و تضطرب دلاؤه عند طول النهر.
/ أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني زيرك بن هبيرة المنانيّ قال:
كان جرير ميدان الشعر، من لم يجر فيه لم يرو شيئا، و كان من هاجى جريرا فغلبه جرير أرجح عندهم ممّن هاجى شاعرا آخر غير جرير فغلب.
[١] لعل الصواب: «... بكم بصيرة».
[٢] كذا في «ديوانه» المخطوط بقلم المرحوم الأستاذ الشنقيطي (المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم ١ أدب ش) و «شرح القاموس» (مادة قفر). و هي أم الفرزدق الشاعر. و في الأصول: «فقير» بتقديم الفاء على القاف، و هو تصحيف.
[٣] الأياطل: جمع أيطل و هي الخاصرة. و لاحقة: ضامرة. و القود: جمع أقود و قوداء. و الأقود من الخيل: الطويل العنق العظيمة.
[٤] المغار: الإغارة. و الأخدود. الشبق، يريد أثر حوافرها في الأرض.
[٥] كذا في الأصول، و الكلام مستغن عنها.
[٦] كذا في ح، يقال: نفحه (بالحاء المهملة) بالسيف أي ضربه به ضربة خفيفة. و في سائر الأصول: «ينفخه» بالخاء المعجمة.
[٧] في ب، س: «عربيّ».