الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٦ - طلب إبراهيم الموصلي الغناء لسماعه صوتا لها
لعمري لئن كان الفؤاد من الهوى
بغى سقما إنّي إذا لسقيم
عليّ دماء البدن إن كان حبّها
على النأي في طول الزمان يريم
تلمّ ملمّات فينسين بعدها
و يذكر منها العهد و هو قديم
فأقسم ما صافيت بعدك خلّة
و لا لك عندي في الفؤاد قسيم
غناء سعدة و الزرقاء
: قالت: أحسنتنّ! و هو لعمري حسن. و قالت لسعدة و الزّرقاء: غنيّا؛ فغنّتا:
قد أرسلوني يعزّوني فقلت لهم
كيف العزاء و قد سارت بها الرّفق
استهدت الرّيم عينيه فجادلها
بمقلتيه و لم تترك له عنق
فاستحسن ذلك. ثم قالت للجماعة فغنّوا، و انقضى المجلس و عاد كلّ إنسان إلى وطنه. فما رثي مجلس و لا جمع أحسن من اليوم الأوّل ثم الثاني ثم الثالث.
طلب إبراهيم الموصلي الغناء لسماعه صوتا لها
: و حدّثتني [١] عمّتي- و كانت أسنّ من أبي و عمّرت بعده- قالت: كان السبب في طلب أبيك الغناء و المواظبة عليه لحنا سمعه لجميلة في منزل يونس بن محمد الكاتب، فانصرف و هو كئيب حزين مغموم لم يطعم و لم يقبل علينا بوجهه كما كان يفعل. فسألته عن السبب فأمسك، فألححت عليه فانتهرني، و كان لي مكرما، فغضبت و قمت من ذلك المجلس إلى بيت آخر، فتبعني و ترضّاني و قال لي: أحدّثك و لا كتمان منك: عشقت صوتا لامرأة قد ماتت، فأنا بها و بصوتها هائم إن لم يتداركني اللّه منه برحمته. فقالت:/ أ تظنّ أن اللّه يحيي لك ميّتا! قال: بل لا أشكّ. قالت: فما تعليقك قلبك بما لا يعطاه إلا نبيّ و لا نبيّ بعد محمد صلّى اللّه عليه و سلّم!. و أمّا عشقك الصوت فهو أن تحذقه و تغنّيه عشر مرار، فتملّه و يذهب عشقك له!. فكأنه ارعوى [٢] و رجع إلى نفسه، و قام فقبّل رأسي و يدي و رجلي و قال لي: فرّجت عنّي ما كنت فيه من الكرب و الغمّ،/ ثم تمثّل: «حبّك الشيء يعمي و يصمّ و لزم بيت يونس حتى حذق الصوت و لم يمكث إلا زمنا يسيرا حتى مات يونس و انضمّ إلى سياط، و كان من أحذق أهل زمانه بالغناء و أحسنهم أداء عمّن مضى. قالت عمّتي: فقلت لإبراهيم: و ما الصوت؟ فأنشدني الشعر و لم يحسن أداء الغناء:
من البكرات عراقيّة
تسمّى سبيعة أطريتها
من آل أبي بكرة الأكرمين
خصصت بودّي فأصفيتها
و من حبّها زرت أهل العراق
و أسخطت أهلي و أرضيتها
أموت إذا شحطت دارها
و أحيا إذا أنا لاقيتها
فأقسم لو أنّ ما بي بها
و كنت الطبيب لداويتها
[١] المتحدّث هو إسحاق بن إبراهيم الموصلي و هو راوي الخبر المتقدّم كما مرّ بك.
[٢] كذا في ح. و في سائر الأصول: «فكان الارعواء».