الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٢ - اليوم الثاني من أيام المدينة و غناء طويس
حيّيت من طلل تقادم عهده
أقوى و أقفر بعد أمّ الهيثم
كيف المزار و قد تربّع أهلها
بعنيزتين [١] و أهلنا بالغيلم
/ إن كنت أزمعت الفراق فإنما
زمّت ركابكم بليل مظلم
شربت بماء الدّحرضين [٢] فأصبحت
زوراء تنفر عن حياض الدّيلم
غناء نافع بن طنبورة
: قالت: ما رأيت شيئا أشبه بغنائكم من اتّفاق أرواحكم. ثم أقبلت على نافع بن طنبورة فقالت: هات يا نقش الغضار [٣] و يا حسن اللسان؛ فاندفع يغنّي:
يا طول ليلي و بتّ لم أنم
و سادي الهمّ مبطن سقمي
أن قمت يوما على البلاط فأب
صرت رقاشا و ليت لم أقم
فقالت جميلة: حسن و اللّه- و لابن سريج في هذا اللحن أربعة أبيات في صوت-
غناء مالك بن أبي السمح
: ثم قالت: يا مالك هات؛ فإنّي لم أؤخّرك لأنك في طبقة آخرهم، و لكنّي أردت أن/ أختم بك يومنا تبرّكا بك و كي يكون أوّل مجلسنا كآخره و وسطه كطرفه، و إنك عندي و معبدا لفي طريقة واحدة و مذهب واحد، لا يدفع ذلك إلا ظالم و لا ينكره إلا عاضل. الحقّ أقول، فمن شاء فلينكر؛ فسكت القوم كلّهم إقرارا لما قالت. و اندفع يغنّي:
عدوّ لمن عادت و سلّم لسلمها
و من قرّبت سلمى أحبّ و قرّبا
هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمته
و إمّا مسيئا تاب بعد [٤] و أعتبا
أقول التماس العذر لمّا ظلمتني
و حمّلتني ذنبا و ما كنت مذنبا
ليهنئك إشمات العدوّ بهجرنا
و قطعك حبل الوصل حتى تقضّبا
اليوم الثاني من أيام المدينة و غناء طويس
: قالت جميلة: ليت صوتك يا مالك قد دام لنا و دمنا له. و قطعت المجلس و انصرف عامّة الناس و بقي خواصّهم.
فلما كان اليوم الثاني حضر القوم جميعا. فقالت لطويس: هات يا أبا عبد النّعيم. قال: فأنكر ما فعلت جميلة في
[١] عنيزة: موضع بين البصرة و مكة. و الغيلم: موضع في ديار بني عبس.
[٢] الياء بمعنى «من» أي شربت من ماء الدحرضين. و الدحرضان: اسم موضع، و قيل: هما وسيع و دحرض. ماءان ثناهما بلفظ الواحد كما يقال القمران للشمس و القمر. فدحرض لآل الزبرقان بن بدر، و وسيع لبني أنف الناقة. و الديلم: الأعداء، و قيل: حياض الديلم بالغور، أو ماءة لبني عبس، و فيه غير ذلك أقوال كثيرة يرجع إليها في «اللسان» (مادة دلم) و في «شرح التبريزي على المعلقات».
[٣] الغضار: الطين اللازج الأخضر، و هو لقب له.
[٤] كذا في «نهاية الأرب» للنويري (ج ٥ ص ٤٧ من طبعة دار الكتب المصرية الطبعة الأولى). و في الأصول: «منه».