الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٥ - سبب افتتان عبد الرحمن بن أبي عمار القس بها و شعره فيها
سبب افتتان عبد الرحمن بن أبي عمار القس بها و شعره فيها
: قال: و القسّ هو عبد الرحمن بن أبي عمّار من بني جشم بن معاوية، و كان منزله بمكة. و كان سبب افتتانه بها فيما حدّثني خلّاد الأرقط قال سمعت من شيوخنا أهل مكة يقولون: كان القسّ من أعبد أهل مكة، و كان يشبّه بعطاء بن أبي رباح، و أنّه سمع غناء سلّامة القسّ على غير تعمّد منه لذلك. فبلغ غناؤها منه كلّ مبلغ؛ فرآه مولاها فقال له:
هل لك أن أخرجها إليك أو تدخل فتسمع! فأبى. فقال مولاها: أنا أقعدها في موضع تسمع غناءها و لا تراها فأبى؛ فلم يزل به حتى دخل فأسمعه غناءها فأعجبه. فقال له: هل لك في أن أخرجها إليك؟ فأبى. فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه، فتغنّت فشغف بها و شغفت به، و عرف ذلك أهل مكة. فقالت له يوما: أنا و اللّه أحبّك.
قال: و أنا و اللّه أحبّك. قالت: و أحبّ أن أضع فمي على فمك. قال: و أنا و اللّه أحبّ ذاك. قالت: فما يمنعك! فو اللّه إنّ الموضع لخال. قال: إنّي سمعت/ اللّه عزّ و جلّ يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [١] و أنا أكره أن تكون خلّة ما بيني و بينك تؤول إلى عداوة. ثم قام و انصرف و عاد إلى ما كان عليه من النّسك؛ و قال من فوره [١] فيها:
/
إنّ التي طرقتك بين ركائب
تمشي بمزهرها و أنت حرام
لتصيد قلبك أو جزاء مودّة
إنّ الرفيق له عليك ذمام
باتت تعلّلنا و تحسب أنّنا
في ذاك أيقاظ و نحن نيام
حتى إذا سطع الضّياء لناظر
فإذا و ذلك بيننا أحلام
قد كنت أعذل في السّفاهة أهلها
فاعجب لما تأتى به الأيّام
فاليوم أعذرهم و أعلم أنما
سبل الضّلالة و الهدى أقسام
و من قوله فيها:
أ لم ترها لا يبعد اللّه دارها
إذا رجّعت في صوتها كيف تصنع
تمدّ نظام القول ثم تردّه
إلى صلصل [٢] في صوتها يترجّع
و فيها يقول:
ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر
و هل أنت عن سلّامة اليوم مقصر
ألا ليت أنّي حين صارت بها النّوى
جليس لسلمى كلّما عجّ [٣] مزهر
و قال في قصيدة له:
سلّام ويحك هل تحيين من ماتا
أو ترجعين على المحزون ما فاتا
و قال أيضا:
[١] عبارة أ، م: «... من النسك من فوره و فيها يقول».
[٢] الصلصلة: ترجيع الصوت.
[٣] عج: رفع صوته و صاح.