الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٠ - حديث عبد الله بن جعفر عن جماعة ضلوا الطريق فأنقذهم الله بشعر امرئ القيس
كما غنّته. و علم القوم ما أرادت بهذا الشعر؛ فقال ابن عائشة: جعلت/ فداك! نرجو أن يدوم مجلسنا، و يؤثر أصحابنا المقام بالمدينة فنواسيهم من كل ما نملكه. قال أبو عبّاد: و كيف بذاك!. فباتوا بأنعم ليلة و أحسنها. قال إسحاق قال أبي قال لي يونس: قال أبو عبّاد: لا أعرف يوما واحدا منذ عقلت و لا ليلة عند خليفة و لا غيره مثل ذلك اليوم، و لا أحسبه/ يكون بعد. قال يونس: و لا أدركنا نحن مثل ذلك اليوم و لا بلغنا. قال إسحاق: و لا أنا، و لا أحسب ذلك اليوم يكون بعد.
زارها عبد اللّه بن جعفر فصرفت من عندها و أقبلت عليه تلاطفه
: و حدّثني أبي قال حدّثنا يونس قال قال لي أبو عبّاد:
أتيت جميلة يوما و كان لي موعد ظننت [١] أنّي سبقت الناس إليها، فإذا مجلسها غاصّ؛ فسألتها أن تعلّمني شيئا؛ فقالت لي: إنّ غيرك قد سبقك و لا يجمل تقديمك على من سواك فقلت: جعلت فداك! إلى متى [٢] تفرغين ممّن سبقني! قالت: هو ذاك، الحقّ يسعك و يسعهم. فبينا نحن كذلك إذ أقبل عبد اللّه بن جعفر- و إنه لأول يوم رأيته و آخره و كنت صغيرا كيّسا، و كانت جميلة شديدة الفرح- فقامت و قام الناس، فتلقّته و قبّلت رجليه و يديه، و جلس في صدر المجلس على كوم لها و تحوّق [٣] أصحابه حوله، و أشارت إلى من عندها بالانصراف، و تفرّق الناس، و غمزتني أن لا أبرح فأقمت. و قالت: يا سيّدي و سيّد آبائي و مواليّ، كيف نشطت إلى أن تنقل قدميك إلى أمتك؟
قال: يا جميلة، قد علمت ما آليت على نفسك ألّا تغنّي أحدا إلّا في منزلك، و أحببت الاستماع و كان ذلك طريقا مادّا فسيحا. قالت: جعلت فداك! فأنا أصير إليك و أكفّر. قال: لا أكلّفك ذلك، و بلغني أنك تغنّين بيتين لامرئ القيس تجيدين الغناء فيهما، و كان اللّه أنقذ بهما جماعة من المسلمين من الموت. قالت: يا سيّدي نعم! فاندفعت تغنّي فغنّت بعودها، فما سمعت منها قبل ذلك و لا بعد إلى أن ماتت مثل ذلك الغناء؛ فسبّح عبد اللّه بن جعفر و القوم معه. و هما:
/
و لما رأت أنّ الشّريعة همّها
و أنّ البياض من فرائصها دامي [٤]
تيمّمت العين التي عند ضارج
يفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي [٥]
حديث عبد اللّه بن جعفر عن جماعة ضلوا الطريق فأنقذهم اللّه بشعر امرئ القيس
:- و لابن مسجح في هذا الشعر صوت و هذا أحسنهما- فلما فرغت قالت جميلة: أي سيّدي أزيدك؟ قال: حسبي.
فقال بعض من كان معه: بأبي جعلت فداك! و كيف أنقذ اللّه من المسلمين جماعة بهذين البيتين؟ قال: نعم، أقبل
[١] جملة ظننت و ما بعدها حال من فاعل أتيت، و ليس من الضروري في مثل هذا المقام أن تقترن بالواو أو قد أو بها.
[٢] هكذا في الأصول. و كلمة «إلى» في هذا المقام ظاهرة الزيادة.
[٣] تحوّقوا حوله: استداروا حوله و أحاطوا به.
[٤] الشريعة: مورد الماء الذي تشرع فيه الدواب. وهمها: طلبها. و الفريضة: اللحم الذي بين الكتف و الصدر. و الفرائص أيضا:
العروق. و الضمير في رأت للحمر. يريد أن الحمر لما أرادت شريعة الماء خافت على أنفسها من الرماة و أن تدمى فرائصها من سهامهم فعدلت إلى «ضارج» لعدم الرماة على العين التي فيها. و «ضارج»: موضع في بلاد بني عبس. و العرمض: الطحلب.
و طام: مرتفع. «عن اللسان» مادة ضرج.
[٥] ورد في «اللسان» (مادة ضرج) بعد إيراد هذه الرواية: «قال ابن بري: ذكر النحاس أن الرواية في البيت: يفيء عليها الطلح».