الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٦ - هو و الأخطل في حضرة عبد الملك ابن مروان
/
تمسّح يربوع سبالا لئيمة
بها من منيّ العبد رطب و يابس [١]
قال: ثم اجتمع جرير و ابن لجأ بالمدينة و قد وردها الوليد بن عبد الملك، و كان يتألّه [٢] في نفسه، فقال: أ تقذفان المحصنات و تغضبانهنّ! ثم أمر أبا بكر محمد بن حزم/ الأنصاريّ- و كان واليا له بالمدينة- بضربهما، فضربهما و أقامهما على البلس [٣] مقرونين، و التّيميّ يومئذ أشبّ من جرير، فجعل يشول [٤] بجرير و جرير يقول و هو المشول به:
فلست مفارقا قرنيّ حتى
يطول تصعّدي بك و انحداري
فقال ابن لجأ:
و لمّا أن قرنت إلى جرير
أبى ذو بطنه [٥] إلّا انحدارا
فقال له قدامة بن إبراهيم الجمحيّ: و بئسما قلت! جعلت نفسك المقرون إليه! قال: فكيف أقول؟ قال تقول:
و لمّا لزّ في قرني جرير فقال: جزيت خيرا، لا أقوله و اللّه أبدا إلا هكذا.
هو و الأخطل في حضرة عبد الملك ابن مروان
: حدّثني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه العبديّ قال حدّثني عمارة بن عقيل عن أبيه قال:
وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان و الأخطل داخل عنده، و قد كانا تهاجيا و لم يلق أحدهما صاحبه.
فلما استأذنوا لجرير أذن له فسلّم و جلس، و قد عرفه الأخطل، فطمح بصر جرير إليه فقال له: من أنت؟ فقال: أنا الذي منعت نومك و هضمت قومك. فقال له جرير: ذاك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك فقال:
من هذا يا أمير المؤمنين؟ فضحك و قال: هذا الأخطل يا أبا حزرة. فردّ بصره إليه و قال: فلا حيّاك اللّه يا ابن النصرانية! أمّا/ منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك. و أما تهضّمك قومي فكيف تهضّمهم و أنت ممن ضربت عليهم الذّلّة و المسكنة و باءوا بغضب من اللّه!. ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانيّة. فقال: لا يكون ذلك بين يديّ. فوثب جرير مغضبا. فقال عبد الملك: قم يا أخطل و اتبع صاحبك؛ فإنما قام غضبا علينا فيك؛ فنهض الأخطل. فقال عبد الملك لخادم له: انظر ما يصنعان إذا برز له الأخطل. فخرج جرير فدعا بغلام له فقدّم إليه حصانا له أدهم فركبه و هدر و الفرس يهتزّ من تحته، و خرج الأخطل فلاذ بالباب و توارى خلفه، و لم يزل واقفا حتى مضى جرير. فدخل الخادم إلى عبد الملك فأخبره؛ فضحك و قال: قاتل اللّه جريرا! ما أفحله! أما و اللّه لو كان النصرانيّ برز إليه لأكله.
[١] لهذا قصة بسطها أبو الفرج في ترجمة الأخطل في الصفحتين السابقتين.
[٢] التأله: التنسك و التعبد.
[٣] البلس: غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التين و يشهر عليها من ينكل به و ينادى عليه.
[٤] يشول به: يرتفع به.
[٥] ذو البطن: الرجيع.