الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٥ - نصح أبوه له فرد عليه ردا أبكاه و أبكى الحاضرين، و شعره في ذلك
ملكها، فيكون قولها لك تعليلا و غرورا، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة؛ إن هذا لذلّ و ضيم! ما أعرف أخيب سهما و لا أضيع عمرا منك. فأنشدك اللّه إلّا كففت و تأملت أمرك؛ فإنك تعلم أنّ ما قلته حقّ، و لو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها، و لكنّ هذا أمر قد فات و استبدّ به من قدّر له، و في النساء عوض.
فقال له جميل: الرأي ما رأيت، و القول كما قلت؛ فهل رأيت قبلي أحدا قدر أن يدفع عن/ قلبه هواه، أو ملك أن يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه! و اللّه لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت، و لكن لا سبيل إلى ذلك، و إنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي، و أنا أمتنع من طروق هذا الحيّ و الإلمام بهم و لو متّ كمدا؛ و هذا جهدي و مبلغ ما أقدر عليه. و قام و هو يبكي؛ فبكى أبوه و من حضر جزعا لما رأوا منه.
فذلك حين يقول جميل:
صوت
ألا من لقلب لا يملّ فيذهل
أفق فالتّعزي عن بثينة أجمل
سلا كلّ ذي ودّ علمت مكانه
و أنت بها حتى الممات موكّل
فما هكذا أحببت من كان قبلها
و لا هكذا فيما مضى كنت تفعل
*- الغناء لمالك ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق-*
فيا قلب دع ذكرى بثينة إنّها
و إن كنت تهواها تضنّ و تبخل
و قد أيأست من نيلها و تجهّمت
و لليأس إن لم يقدر النّيل أمثل
و إلّا فسلها نائلا قبل بينها
و أبخل بها مسئولة حين تسأل
و كيف ترجّي وصلها بعد بعدها
و قد جدّ حبل الوصل ممن تؤمّل
و إنّ التي أحببت قد حيل دونها
فكن حازما، و الحازم المتحوّل
ففي اليأس ما يسلي و في الناس خلّة
و في الأرض عمّن لا يواتيك معزل
بدا كلف منّي بها فتثاقلت
و ما لا يرى من غائب الوجد أفضل
هبيني بريئا نلته بظلامة
عفاها لكم أو مذنبا يتنصّل
قناة [١] من المرّان ما فوق حقوها
و ما تحته منها نقّا يتهيّل
/ قال و قال أيضا في هذه الحال:
صوت
أ عن ظعن الحيّ الألى كنت تسأل
بليل فردّوا عيرهم و تحمّلوا
فأمسوا و هم أهل الديار و أصبحوا
و من أهلها الغربان بالدار تحجل
- في هذين البيتين لسياط خفيف رمل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو-
[١] في أكثر الأصول: «فتاة». و في ح «قذاة» و هما تحريف.