الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٦ - حديثه مع ذي الرمة و هشام المرئي
أن ذا الرّمّة نزل على أهل قرية لبني امرئ القيس فلم يدخلوا رحله، فذمّهم في القرى، و مدح بيهسا صاحب ذات غسل- و هو مرئيّ. و ذات غسل: قرية له- فقال ذو الرّمّة:
و لمّا وردنا مرأة اللّؤم أغلقت
دساكر لم تفتح لخير ظلالها
و لو عرّيت أصلابها [١] عند بيهس
على ذات غسل لم تشمّس رحالها
إذا ما امرؤ القيس ابن لؤم تطعّمت
بكأس الندامى خبّثتها [٢] سبالها
فقال جرير للمرئيّ: قل له:
غضبت لرحل من عديّ مشمّس
و في أيّ يوم لم تشمّس رحالها
و ذكر الأبيات الماضية المذكورة في رواية أبي خليفة. قال: فلقى ذو الرّمّة جريرا فقال له: تعصّبت للمرئيّ و أنا خالك!. قال: حين قلت ما ذا؟ قال: حين قلت له أن يقول لي:
عجبت لرحل من عديّ مشمّس/ فقال له جرير: لا! بل ألهاك البكاء في دارميّة حتى أبيحت محارمك. قال: و كان قد بلغ جريرا ميل ذي الرّمة عليه، فجعل يعتذر إليه و يحلف له. فقال له جرير: اذهب الآن فقل للمرئيّ:
يعدّ الناسبون إلى تميم
بيوت المجد أربعة كبارا
يعدّون الرّباب و آل سعد
و عمرا ثم حنظلة الخيارا
و يهلك بينها المرئيّ لغوا
كما ألغيت في الدّية الحوارا [٣]
فقال ذو الرمّة قصيدته التي أوّلها:
نبت عيناك عن طلل بجزوى [٤]
عفته الرّيح و امتنح القطارا
و ألحق فيها هذه الأبيات. فلما أنشدها و سمعها المرئيّ جعل يلطم رأسه و وجهه و يدعو بويله و حربه و يقول: ما لي و لجرير! فقيل له: و أين جرير منك! هذا رجل يهاجيك و تهاجيه! فقال: هيهات! لا و اللّه ما يحسن ذو الرّمّة أن يقول:
و يذهب بينها المرئيّ لغوا
كما ألغيت في الدّية الحوارا
هذا و اللّه كلام جرير ما تعدّاه قطّ. قال: و مرّ الفرزدق بذي الرّمّة و هو ينشد هذه القصيدة؛ فلما أنشد الأبيات الثلاثة فيها قال له الفرزدق: أعد يا غيلان، فأعاد؛ فقال له: أ أنت/ تقول هذا؟ قال: نعم يا أبا فراس. قال: كذب فوك! و اللّه لقد نحلكها أشدّ لحيين منك، هذا شعر ابن الأتان. قال: و جاء المرثيّون إلى جرير فقالوا: يا أبا حزرة، قد
[١] الأصلاب: جمع صلب و هو عظم من لدن الكاهل إلى العجب. يريد: لو وضعت رحالها عن ظهورها عند بيهس لأكرمها و لم يتركها. و في ب، س: «غرست» و هو تحريف.
[٢] كذا في أ، ء، م (و «ديوان» ذي الرمة طبع أوروبا ص ٥٤٤). و في سائر الأصول: «ما خبتها» و هو تحريف.
[٣] الحوار: ولد الناقة، و قيل: هو الفصيل أوّل ما ينتج. يريد أن المرئي لا يؤبه له كما لا يؤبه لولد الناقة إذا تبع أمه و قد سيقت في دية القتيل.
[٤] حزوي: موضع في ديار تميم.