الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٧ - قصته مع الراعي و ابنه جندل
الناس. فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال: هلّا تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق عليّ و هو يهجو قومه و أنا أمدحهم! قال جرير: فضربت [١] رأيي فيه. ثم خرج جرير ذات يوم يمشي و لم يركب دابّته، و قال: و اللّه ما يسرّني أن يعلم [٢] أحد. و كان لراعي الإبل و الفرزدق و جلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها. قال: فخرجت أتعرّض له لألقاه من حيال حيث كنت أراه يمرّ إذا انصرف من مجلسه، و ما يسرّني أن يعلم أحد، حتى إذا هو قد مرّ على بغلة له و ابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى [٣] محذوف الذّنب و إنسان يمشي معه يسأله عن بعض السّبب، فلما استقبلته قلت: مرحبا بك يا أبا جندل! و ضربت بشمالي على معرفة بغلته، ثم قلت: يا أبا جندل! إن قولك يستمع و إنك تفضّل الفرزدق عليّ تفضيلا قبيحا و أنا أمدح قومك و هو يهجوهم و هو ابن عمي، و يكفيك من ذاك هيّن [٤]: إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم، و لا تحتمل مني و لا منه لائمة. قال:
فبينا أنا و هو كذاك واقفا عليّ. و ما ردّ عليّ بذلك شيئا حتى/ لحق ابنه جندل، فرفع كرمانيّة [٥] معه فضرب بها عجز بغلته ثم قال: لا أراك واقفا على كلب من بني كليب كأنك تخشى منه شرّا أو ترجو منه خيرا! و ضرب البغلة ضربة، فرمحتني [٦] رمحة وقعت منها قلنسوتي، فو اللّه لو يعرّج عليّ الراعي لقلت سفيه غوى- يعني جندلا ابنه- و لكن لا و اللّه ما عاج عليّ، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت:
أ جندل ما تقول بنو نمير
إذا ما الأير في است أبيك غابا
فسمعت الرّاعي قال لابنه: أما و اللّه لقد طرحت قلنسوته طرحة مشئومة. قال جرير: و لا و اللّه ما القلنسوة بأغيظ أمره إليّ لو كان عاج عليّ. فانصرف جرير غضبان حتى إذا صلّى العشاء بمنزله في علّيّة [٧] له قال: ارفعوا إليّ باطية من نبيذ و أسرجوا لي، فأسرجوا له و أتوه بباطية من نبيذ. قال: فجعل يهمهم [٨]؛ فسمعت صوته عجوز في الدار فاطّلعت في الدّرجة/ حتى نظرت إليه، فإذا هو يحبو على الفراش عريانا لما هو فيه، فانحدرت فقالت: ضيفكم مجنون! رأيت منه كذا و كذا! فقالوا لها: اذهبي لطيّتك، نحن أعلم به و بما يمارس. فما زال كذلك حتى كان السّحر، ثم إذا هو يكبّر قد قالها ثمانين بيتا في بني نمير. فلما ختمها بقوله:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير
فلا كعبا بلغت و لا كلابا
كبّر ثم قال: أخزيته و ربّ الكعبة. ثم أصبح، حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، و كان يعرف
فحل من شعراء الإسلام، و كان مقدّما مفضلا حتى اعترض بين جرير و الفرزدق. (انظر ترجمته في «الأغاني» ج ٢٠ ص ١٦٨ طبع بلاق).
[١] في ج: «فصوّبت».
[٢] كذا في ج. و في سائر الأصول: «أن أعلم أحدا».
[٣] الأحوى: الذي يضرب إلى السواد من شدّة خضرته. و الحذف: قطف الشيء من الطرف، يقال: حذف شعره و ذنب فرسه إذا قطع طرفه.
[٤] هذه الكلمة «هين» ساقطة من ب، س.
[٥] كذا في الأصول و «الأغاني» (ج ٢٠ ص ١٦٩ طبع بلاق) في ترجمة الراعي. و ظاهر أنها ضرب من السياط. و قد جاءت هذه القصة في «النقائض» (ص ٤٣١) و فيها: «فأقبل يشتد به فرسه حتى يهوى بالسوط لمؤخر بغلة أبيه .. إلخ».
[٦] في «النقائض»: «فزحمتني و اللّه زحمة وقعت منها على كفى في الأرض».
[٧] العلية: الغرفة.
[٨] في ج: «يهينم». و الهمهمة و الهينمة: الصوت الخفيّ.