الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٩ - أرسل كثيرا إلى بثينة ليستجد منها موعدا
قابلها مرة بسعي صديق له
: أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية عن رجل من عذرة قال:
كنت تربا لجميل و كان يألفني، فقال لي ذات يوم: هل تساعدني على لقاء بثينة؟ فمضيت معه، فكمن لي في الوادي و بعث بي إلى راعي بثينة بخاتمه، فدفعته/ إليه، فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه. فلما كان الليل جاءته فتحدّثا طويلا حتى أصبحا ثم ودّعها و ركب ناقته. فلما استوى في غرزها [١] و هي باركة قالت له: ادن منّي يا جميل [٢].
صوت
إنّ المنازل هيّجت أطرابي
و استعجمت آياتها بجوابي
قفرا تلوح بذي اللّجين كأنها
أنضاء رسم أو سطور كتاب
لما وقفت بها القلوص تبادرت
منّي الدموع لفرقة الأحباب
و ذكرت عصرا يا بثينة شاقني
و ذكرت أيّامي و شرخ شبابي
الغناء في هذه الأبيات للهذليّ ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أرسل كثيرا إلى بثينة ليستجدّ منها موعدا
: أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق الموصليّ عن السّعيديّ، و أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه قال حدّثنا أبو مالك النّهديّ قال:
جلس إلينا كثيّر ذات يوم فتذاكرنا جميلا؛ فقال: لقيني مرّة فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي الحبيبة (أعني بثينة). فقال: و إلى أين تمضي؟ قلت: إلى الحبيبة (أعني عزّة). فقال: لا بدّ من أن ترجع عودك على بدئك فتستجدّ لي موعدا من بثينة. فقلت: عهدي بها الساعة و أنا أستحيي أن أرجع. فقال: لا بدّ من ذلك. فقلت له: فمتى عهدك ببثينة؟ فقال: في أوّل الصيد و قد وقعت سحابة بأسفل وادي [٣] الدّوم فخرجت و معها جارية لها تغسل ثيابها [٤]؛ فلما أبصرتني/ أنكرتني، فضربت بيديها إلى ثوب في الماء فالتحفت به، و عرفتني الجارية، فأعادت الثوب في الماء، و تحدّثنا حتى غابت الشمس. و سألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون؛ و ما وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها. فقال له كثيّر: فهل لك في أن آتي الحيّ فأنزع [٥] بأبيات من شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها؟. قال: ذلك الصواب، فأرسله إليها؛ فقال له: انتظرني ثم خرج كثيّر حتى أناخ بهم. فقال له أبوها: ما ردّك؟ قال: ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هاتها. قال كثيّر: فأنشدته و بثينة تسمع:
[١] الغرز: ركاب الرحل من جلد، فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب.
[٢] الكلام هنا ناقص.
[٣] وادي الدوم: واد معترض من شمالي خيبر إلى قبلها، و هو يفصل بين خيبر و العوارض.
[٤] في ج: «ثيابا».
[٥] نزع الشعر: تمثل به.