الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٣ - هاجى فديكا الجرمي لأنه عذب وحشية بالنار ليصدها عنه
أخواته و بنات عمّه و غيرهن من حرمه، ثم قال لهنّ: قد بلغني أنّ يزيد دخل عليكنّ و قد نهيتكنّ عنه، و إن للّه عليّ نذرا واجبا- و اخترط سيفه- إن لم أضرب أعناقكنّ به. فلما ملأهنّ رعبا ضرب عنق غلام له مولّد يقال له عصام فقتله، ثم أنشأ يقول:
جعلت عصاما عبرة حين رابني
أناسيّ من أهلي مراض قلوبها
ثم إنّ فديكا رأى يزيد قائما عند باب أهله، فظنّ أنه يواعد بعض نسائه، فارتصده على طريقه [١] و أمر بزبية [٢] فحفرت على الطريق ثم أوقد فيها نارا ليّنة ثم اختبأ في مكان و معه عبدان له و قال لهما: تبصّرا هل تريان أحدا؛ فلم يلبثا إلّا قليلا حتى خرجت بنت أخي فديك، و كان يقال لها وحشيّة، تتهادى في برودها لميعاد يزيد؛ فأيقظه/ العبدان؛ و مضت حتى وقعت على الزّبية فاحترق بعضها، و أمر بها فأخرجت، و احتملها العبدان فانطلقا بها إلى داره. فقال فديك:
شفى النفس من وحشيّة اليوم أنّها
تهادى و قد كانت سريعا عنيقها [٣]
فإلّا تدع خبط الموارد في الدّجى
تكن قمنا [٤] من غشية لا تفيقها
دواء طبيب كان يعلم أنّه
يداوي المجانين المخلّى طريقها
فبلغ ذلك يزيد فقال:
ستبرأ من بعد الضّمانة [٥] رجلها
و تأتي الذي تهوى مخلّى طريقها
عليّ هدايا البدن إن لم ألاقها
و إن لم يكن إلا فديك يسوقها
يحصّنها منّي فديك سفاهة
و قد ذهبت فيها الكباس [٦] و حوقها
تذيقونها شيئا من النّار كلّما
رأت من بني كعب غلاما يروقها
قال: و إنما كانت وضعت رجلها فأحرقتها النار.
و قال يزيد أيضا:
يا سخنة العين [٧] للجرميّ إذ جمعت
بيني و بين نوار وحشة الدار
خبّرتهم عذّبوا بالنار جارتهم
و من يعذّب غير اللّه بالنار
فبلغ ذلك فديكا فقال:
[١] في الأصول: «على طريقته».
[٢] الزبية: الحفرة يصاد بها الأسد و الذئب.
[٣] العتيق: السير المنبسط.
[٤] هو قمن بكذا و قمن منه (بفتح الميم) و قمن (بكسر الميم) و قمين أي حريّ و خليق و جدير. فمن فتح الميم لم يثن و لا جمع و لا أنث لأنه مصدر، و من كسرها أو زاد الياء فقال قمين ثني و جمع و أنث لأنه وصف.
[٥] الضمانة: الزمانة و العاهة. أراد احتراق رجلها.
[٦] الكباس: الكمرة الضخمة. و الحوق: ما استدار من حروفها.
[٧] سخنت عينه سخنا و سخونة و سخنة. نقيض قرّت.