الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤١ - حبسه لديون لزمته و ما وقع في ذلك بينه و بين عقبة بن شريك
الطّثرية في السجن حتى انصرف عقبة بن شريك من مكة، فأرسل ابن الكميت في مخاضه [١] مستقبلة الرّبيع و هي حاضرة العقيق، تأكل الغضى و تشرب بأحسائه [٢]، و انحدر عقبة نحو اليمامة و عليها المهاجر بن عبد اللّه الكلابيّ.
فلمّا ضاقت بابن الطّثريّة المخارج قال له صاحب له: لا أعلم لك أنجى إن قدرت على الخروج من السجن إلا أن تركب ابن الكميت فينجيك نحو بلد من البلاد. فلم يزل حتى جعل للحدّاد [٣]، على أن يرسله ليلة إلى ابن عمّه، جعلا؛ فشكا إليه وجده/ بها فأرسله. فمضى يزيد نحو الإبل عشاء فاحتكم ابن الكميت حتى جلس عليه فوجهه قصد اليمامة يريد عقبة بن شريك؛ و قال في طريقه:
لعمري إن ابن الكميت على الوجا [٤]
و سيري خمسا بعد خمس مكمّل
/ لطلق الهوادي بالوجيف إذا ونى
ذوات البقايا [٥] و العتيق الهمرجل
فورد اليمامة فأناخ بابن الكميت على باب المهاجر [٦]، فكان أوّل من خرج عليه عقبة بن شريك. فلما نظر إليه عرفه و عرف الجمل فقال: ويحك! أ يزيد أنت؟ قال نعم و هذا ابن الكميت؟ قال نعم قال: ويحك!. فما شأنك؟ قال: يا عقبة، فارّ منك إليك؛ و أنشده قصيدته التي يقول فيها:
يا عقب قد شذب اللّحاء عن العصا
عنّي و كنت مؤزّرا محمودا
صل لي جناحي و اتّخذني [٧] عدّة
ترمي بي المتعاشي الصّنديدا
فقال له عقبة- و كانت من خير فعلة علمناه فعلها-: أشهدكم أنّي قد أبرأته من دين البربريّ و أن له ابن الكميت؛ و أمره أن يحتكم فيما سوى ذلك من ماله. و هذان البيتان من القصيدة التي أوّلها:
أمسى الشباب مودّعا محمودا و هي من جيّد شعره، يقول فيها:
و مدلّة [٨] عند التبذّل [٩] يفتري [١٠]
منها الوشاح [١١] مخصّرا أملودا
/ نازعتها غنم الصّبا إنّ الصّبا
قد كان منّي للكواعب عيدا
يا للرّجال و إنما يشكو الفتى
مرّ الحوادث أو يكون جليدا
[١] المخاض: الحوامل من النوق.
[٢] الأحساء جمع واحده الحسى و هو سهل من الأرض يستنقع فيه الماء.
[٣] الحدّاد: السجان.
[٤] الوجا: أن يشتكي البعير باطن خفه.
[٥] ذوات البقايا من الخيل: التي يبقى جريها بعد انقطاع جري الخيل. و العتيق: الرائع: و الهمرجل: السريع.
[٦] في الأصول: «على باب ابن المهاجر».
[٧] في الأصول: «و اتخذ لي».
[٨] في ب، س: «و مدله». و في سائر الأصول: «و مذلة». و كلاهما تصحيف.
[٩] كذا في أ، ء، م. و التبذل: ترك التزين و التهيؤ بالهيئة الحسنة. و في سائر الأصول: «التبدل». بالدال المهملة، و هو تصحيف.
[١٠] يفتري: يريد به يكسو، و الأصل في معنى الافتراء: لبس الفروة.
[١١] الوشاح: شبه قلادة ينسج من أديم عريض يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقيها و كشحيها مخالفا بينهما. و المخصر: الدقيق الضامر. و الأملود: الناعم الغض.