الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٣ - هجا سراقة البارقي بأمر بشر بن مروان لأنه فضل الفرزدق عليه
له. فدخل فاستأذن في الإنشاد، فأمسك عبد الملك. فقال له محمد: أنشد ويحك! فأنشده قصيدته/ التي يقول فيها:
أ لستم خير من ركب المطايا
و أندى العالمين بطون راح
فتبسّم عبد الملك و قال: كذلك نحن و ما زلنا كذلك. ثم اعتمد على ابن الزّبير فقال:
دعوت الملحدين أبا خبيب [١]
جماحا هل شفيت من الجماح
و قد وجدوا الخليفة هبرزيّا [٢]
ألفّ [٣] العيص ليس من النّواحي
و ما شجرات عيصك في قريش
بعشّات [٤] الفروع و لا ضواحي
/ قال: ثم أنشده إيّاها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال:
تعزّت أمّ حزرة ثم قالت
رأيت الموردين ذوي لقاح
تعلّل و هي ساغبة بنيها
بأنفاس [٥] من الشّبم القراح
فقال عبد الملك: هل ترويها مائة لقحة؟ فقال: إن لم يروها ذلك فلا أرواها اللّه! فهل إليها- جعلني اللّه فداك يا أمير المؤمنين- من سبيل؟ فأمر له بمائة لقحة و ثمانية من الرّعاء. و كانت بين يديه جامات من ذهب؛ فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، تأمر لي بواحدة منهنّ تكون محلبا؟ فضحك و ندس [٦] إليه واحدة منهنّ بالقضيب و قال: خذها لا نفعتك! فأخذها و قال: بلى و اللّه يا أمير المؤمنين لينفعنّي كلّ ما منحتنيه، و خرج من عنده. قال: و قد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك.
أعطوا هنيدة [٧] يحدوها ثمانية
ما في عطائهم منّ و لا سرف
هجا سراقة البارقي بأمر بشر بن مروان لأنه فضل الفرزدق عليه
: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا دماذ أبو غسّان عن أبي عبيدة قال:
بذل محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة أربعة آلاف درهم و فرسا لمن فضّل من الشعراء الفرزدق على جرير، فلم يقدم عليه أحد منهم إلا سراقة البارقيّ فإنه قال يفضل الفرزدق:
[١] أبو خبيب: هو عبد اللّه بن الزبير، و خبيب ابنه، و به كان يدعى.
[٢] الهبرزي: الخالص.
[٣] الألف: الملتف. و العيص: الأصل، و هو أيضا الشجر. يريد أنه من وسط العز لا من نواحيه.
[٤] العشة: الشجرة الدقيقة القضبان اللئيمة المنبت. و الضواحي: البادية العيدان لا ورق عليها. و في اللسان (مادة ضحى) بعد أن أورد هذا البيت «قال أبو منصور: أراد جرير بالضواحي في بيته قريش الظواهر، و هم الذين لا ينزلون شعب مكة و بطحاءها. أراد جرير أن عبد الملك من قريش الأباطح لا من قريش الظواهر، و قريش الأباطح أشرف و أكرم من قريش الظواهر؛ لأن البطحاويين من قريش حاضرة و هم قطان الحرم، و الظواهر أعراب بادية».
[٥] الأنفاس: جمع نفس (كسبب) و هو جرعة الماء. و الشيم: البارد. و القراح: الخالص. يريد أنها تعلمهم بالماء عند افتقاد اللبن.
[٦] كذا في ديوانه المخطوط ص ٢٠ و الندس في الأصل: القطن الخفيف. يريد أنه دفع إليه جاما منها بعصا كانت في يده. و في بعض الأصول: «و دحس». و في بعضها: «و دس» و كلاهما تحريف.
[٧] هنيدة: اسم من الإبل و غيرها.