الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٦ - قدم المدينة و تحدث مع الأحوص حتى أخزاه و أقبل على أشعب و أجازه
و كان أشعب من أحسن الناس صوتا. قال حماد: و الغناء الذي غنّاه فيه أشعب لابن سريج.
أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال و ذكر المغيرة بن حجناء مسعود بن خالد بن مالك بن ربعيّ بن سلمى بن جندل قال حدّثني مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفى،/ و أمّه الرّبداء بنت جرير- و هذا الخبر و إن كان فيه طول محتو على سائر أخبار من ناقض جريرا أو اعتنّ [٢] بينه و بين الفرزدق و غيره فذكرته هنا لاشتماله على ذلك في بلاغ و اختصار-:
أنّ جريرا قدم على الحكم بن أيوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل، و هو خليفة للحجّاج يومئذ، فمدحه جرير فقال:
أقبلت [٣] من ثهلان أو جنبي خيم
على قلاص مثل خيطان [٤] السّلم
/ ثهلان: جبل كان لباهلة ثم غلبت عليه نمير. وخيم: جبل يناوحه من طرفه الأقصى فيما بين ركنه الأقصى و بين مطلع الشمس، به ماء و نخل-
قد طويت بطونها طيّ الأدم
يبحثن بحثا كمضلّات الخدم [٥]
إذا قطعن علما بدا علم
حتى تناهين [٦] إلى باب الحكم
خليفة الحجّاج غير المتّهم
في معقد [٧] العزّ و بؤبؤ الكرم
بعد انفضاج [٨] البدن و اللحم زيم فلما قدم عليه استنطقه فأعجبه ظرفه و شعره؛ فكتب إلى الحجّاج: إنه قدم عليّ أعرابيّ شيطان من الشياطين. فكتب إليه أن أبعث به إليّ، ففعل. فقدم/ عليه فأكرمه الحجّاج و كساه جبّة صبريّة [٩] و أنزله فمكث أياما. ثم أرسل إليه بعد نومه فقالوا: أجب الأمير؛ فقال: ألبس ثيابي؛ فقالوا: لا! و اللّه لقد أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها؛ ففزع جرير و عليه قميص غليظ و ملاءة صفراء. فلما رأى ما به رجل من الرّسل دنا منه و قال: لا بأس عليك، إنما دعاك للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدوّ اللّه! علام تشتم الناس و تظلمهم؟ فقلت: جعلني اللّه فداء الأمير، و اللّه إني ما أظلمهم و لكنّهم يظلمونني فأنتصر. ما لي و لابن أمّ غسّان! و ما لي و للبعيث! و ما لي
[١] هكذا بالأصول.
[٢] اعتن بينه و بينه: اعترض.
[٣] في «ديوانه»: «أقبلن» و قد وردت هذه الأرجوزة في «ديوانه» باختلاف عما هنا فانظرها في ص ١٨٨ من نسخة الشنقيطي.
[٤] الخيطان: جمع خوط و هو الغصن.
[٥] الخدم: جمع خدمة و هي الخلخال. يريد أنهنّ يبحثن بمناسمهنّ الأرض كما تبحث النساء المعضلات خلاخلهنّ عنها في التراب.
[٦] كذا في «ديوانه». و في الأصول: «تناهينا».
[٧] كذا في س. و المعقد: موضع العقد. و في حديث الدعاء: «أسألك بمعاقد العز من عرشك». و في سائر الأصول: «في مقعد العز».
و في «ديوانه»: «في ضئضئ المجد».
[٨] كذا في «ديوانه». و الانفضاج: السمن و الضخم. و في الأصول: «انفضاخ» بالخاء المعجمة و هو تصحيف. و البدن: النوق. و الزيم:
المتفرق على رءوس الأعضاء.
[٩] صبرية: نسبة إلى صبر (بفتح فكسر) و هو الجبل الشامخ العظيم المطل على قلعة تعز (بفتح أوّله و كسر ثانيه و تشديد الزاي المعجمة)، فيه عدّة حصون و قرى باليمن.