الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٥ - أحب وحشية و مرض لبعدها فأعانه ابن عمه على رؤيتها فبرئ
الظّهيرة و فاءت الأظلال و سكن بعض ما به من ألم الضرب و برد عطشه قليلا، ثم قرب إلى الماء حتى ورد على القوم قبل يزيد، فوجد أمة تذود غنما في بعض الظّعن [١]، فأخذ برقعها فقال: هذا برقع واحدة من/ نسائكم، فطرحه بين يدي القوم؛ و جاءت الأمة تعدو فتعلّقت ببرقعها فردّ عليها و خجل ميّاد خجلا شديدا. و جاء يزيد ممسيا و قد كاد القوم أن يتفرّقوا، فنثر كمّه بين أيديهم ملآن براقع [و ذبلا] و فتخا، و قد حلف القوم ألّا يعرف رجل شيئا إلّا رفعه. فلمّا نثر ما معه اسودّت وجوه جرم و أمسكوا بأيديهم [٢] إمساكة. فقالت [٣] قشير: أنتم تعرفون ما كان بيننا أمس من العهود و المواثيق و تحرّج الأموال و الأهل، فمن شاء أن ينصرف إلى حرام فليمسك يده؛ فبسط كلّ رجل يده إلى ما عرف فأخذه و تفرّقوا عن حرب؛ و قالوا: هذه مكيدة يا قشير. فقال في ذلك يزيد بن الطّثرية:
فإن شئت يا ميّاد زرنا و زرتم
و لم ننفس [٤] الدّنيا على من يصيبها
أ يذهب ميّاد بألباب نسوتي
و نسوة ميّاد صحيح قلوبها
و قال ميّاد الجرميّ:
لعمرك إنّ جمع بني قشير
لجرم في يزيد لظالمونا
/ أ ليس الظلم أنّ أباك منّا
و أنك في كتيبة آخرينا
أ حالفة عليك بنو قشير
يمين الصّبر [٥] أم متحرّجونا
أحب وحشية و مرض لبعدها فأعانه ابن عمه على رؤيتها فبرئ
: قال: ويلي يزيد بعشق جارية من جرم في ذلك اليوم يقال لها وحشية، و كانت من أحسن النساء. و نافرتهم جرم فلم يجد إليها سبيلا، فصار من العشق إلى أن أشرف على الموت و اشتدّ به الجهد؛ فجاء إلى ابن عمّ له يقال له خليفة بن بوزل [٦]، بعد اختلاف الأطبّاء إليه و يأسهم منه، فقال [له] [٧]: يا ابن عمّ، قد تعلم أنه ليس إلى هذه المرأة سبيل،/ و أنّ التعزّي أجمل، فما أربك في أن تقتل نفسك و تأثم بربّك!. قال: و ما همّي يا ابن عمّ بنفسي و ما لي فيها أمر و لا نهي، و لا همّي إلا نفس الجرميّة؛ فإن كنت تريد حياتي فأرنيها. قال: كيف الحيلة؟ قال: تحملني إليها.
فحمله إليها و هو لا يطمع في الجرميّة، إلا أنهم كانوا إذا قالوا له نذهب بك إلى وحشيّة أبلّ قليلا و راجع و طمع، و إذا أيس منها اشتدّ به الوجع. فخرج به خليفة بن بوزل فحمله فتخلّل به اليمن، حتى إذا دخل في قبيلة انتسب إلى أخرى و يخبر أنه طالب حاجة. و أبلّ حتى صلح بعض الصّلاح، و طمع فيه ابن عمّه، و صارا [٨] بعد زمان إلى حيّ
[١] كذا في أكثر الأصول. و الظعن: سير البادية لنجعة أو حضور ماء أو طلب مربع أو تحوّل من ماء إلى ماء أو من بلد إلى بلد. و في ح، أو «تجريد الأغاني» «تذود غنما في العطن». و العطن: المناخ حول الورد، فأما في مكان آخر فمراح و مأوى.
[٢] يريد أنهم قبضوا أيديهم. و لم يمدوها إلى شيء مما نثر أمامهم.
[٣] كذا في ح و «تجريد الأغاني». و في «سائر الأصول»: «فقال».
[٤] كذا في «تجريد الأغاني». و نفس عليه الشيء (من باب علم): لم يره أهلا له. و في «جميع الأصول»: «تنفس» بالتاء المثناة.
[٥] يمين الصبر: هي التي يحبس المرء حتى يحلفها.
[٦] في أ، و «تجريد الأغاني»: «خليفة بن بورك».
[٧] زيادة عن «تجريد الأغاني».
[٨] في الأصول: «و صار بعد زمان إلى حيّ وحشية فلقي ...» بدون ألف التثنية في الفعلين.