الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٨ - وصف مجلس من مجالسها غنت فيه و غنى فيه مغنو مكة و المدينة
مولى العبلات فلو ابتدأت لقدّمتك عليهم. ثم سألوها جميعا أن تغنّيهم لحنا كما غنّوا؛ فغنّتهم بيتا لامرئ القيس و أربعة أبيات لعلقمة و هي:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب
أقضّ لبانات الفؤاد المعذّب
ليالي لا تبلى [١] نصيحة بيننا
ليالي حلّوا بالسّتار [٢] فغرّب
/ مبتّلة [٣] كأنّ أنضاء حليها
على شادن من صاحة متربّب
محال [٤] كأجواز الجراد و لؤلؤ
من القلقيّ و الكبيس الملوّب
إذا ألحم الواشون للشرّ بيننا
تبلّغ رسّ الحبّ غير المكذّب [٥]
فكلّهم أقرّوا لها و فضّلوها. فقالت لهم: أ لا أحدّثكم بحديث يتمّ به حسن غنائكم [٦] و تمام اختياركم؟ قالوا: بلى و اللّه. قال الغريض: قد و اللّه فهمته يا سيّدتي قالت: لعنك اللّه يا مخنّث! ما أجود فهمك و أحسن وجهك! و ما يلام فيك أبو يحيى إذ عرفته؛ فهاته حدّثنا. قال: يا سيّدتي و سيّدة من حضر، و اللّه لا نطقت بحرف منه و أنت حاضرة، و لك الفضل و العتبى. قالت: نازع امرؤ القيس علقمة بن عبدة الفحل الشعر؛ فقال له: قد حكّمت [٧] بيني و بينك/ امرأتك أمّ جندب؛ قال: قد رضيت. فقالت لهما: قولا شعرا على رويّ واحد و قافية واحدة صفا فيه الخيل.
فقال امرؤ القيس:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب
أقضّ لبانات الفؤاد لمعذّب
/ و قال علقمة:
ذهبت من الهجران في غير مذهب
و لم يك حقّا كلّ هذا التجنّب
و أنشداها، فغلّبت علقمة. فقال لها زوجها: بأيّ شيء غلّبته؟ قالت: لأنك قلت:
[١] كذا في «ديوان علقمة». و في الأصول: «ليلى فلا تبلى» و هو تحريف.
[٢] الستار (على وزن كتاب): جبل بعالية الحجاز. و غرب موضع تلقاءه. و هذا البيت واقع في «ديوان علقمة» بعد قوله:
ذهبت من الهجران في غير مذهب
و لم يك حقا كل هذا التجنب
و هو مطلع القصيدة. يقول لنفسه: ذهبت من هجران هذه المرأة لك في غير مذهب يجب، أي لم تهجرك لريبة رابتك بها لكن إدلالا و تجنبا، و لم يكن تجنبها حقا، إذ لم تأت إليها ما يوجب التجنب. و قوله: ليالي لا تبلى أي فعلت هذا بك زمن المرتبع إذ كان حيها وحيك متجاورين، فكنا نجدد النصائح و نقرب الوسائل. (راجع شرح ديوان علقمة الفحل للأعلم الشنتمري).
[٣] المبتلة: المكتنزة اللحم الضامرة الكشح. و أنضاء الحلى: ما دق منه و لطف. يعني قرطيها و قلائدها و لم يعن سوارا و لا خلخالا، لأنه إنما قصد إلى تشبيه جيدها و ما عليه من الحلى يجيد الشادن. و صاحة: جبل أحمر بين الركاء و الدخول، و قيل: صاحة هضبتان عظيمتان لهما زيادات و أطراف كثيرة، و هي من عماية (جبل بالبحرين ضخم) تلي مغرب الشمس بينهما فرسخ. (عن «معجم ما استعجم» للبكري). و متربب: مربى.
[٤] المحال: ضرب من الحلى يصاغ مفقرا (أي محززا) على تفقير وسط الجراد، و الجوز: وسط الشيء، و القلقي: ضرب من القلائد المنظومة من اللؤلؤ. قال صاحب «اللسان»: و الظاهر أنها سميت بذلك لقلقها (أي اضطرابها). و الكيس: حلى يصاغ مجوّفا ثم يحشى طيبا ثم يكبس. و الملوّب: المعطر بالملاب، و هو نوع من العطر، و قيل: الملاب كل عطر مائع.
[٥] ألحم: أدخل. يقال: ألحم بين بني فلان شرا إذا جناه لهم. و قوله: تبلغ رس الحب أي تبلغ في القلب و ثبت فيه. و الرس: الثابت الراسخ. و غير المكذب أي غير المنقطع الرائل.
[٦] في ب، س: «غضارتكم».
[٧] في الأصول: «حاكمت».