الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٥ - مدحها ابن سريج فردت عليه مدحه ثم غنت و غنى هو و معبد و مالك بشعر حاتم الطائي
أذاعت به الأرواح [١] بعد أنيسها
شهورا و أيّاما و حولا مجرّما [٢]
فأصبحن [٣] قد غيّرن ظاهر تربه
و غيّرت الأنواء ما كان معلما
/ و غيّرها طول التقادم و البلى
فما أعرف الأطلال إلا توهّما
قال [٤]: فحدّثت أنه حضر ذلك المجلس جماعة من حذّاق أهل الغناء، فكلّهم قال: مزامير داود!. قال ابن سريج لها: أ فأسمعك صوتا لي في هذا الشعر؟ قالت: هاته؛ فغنّى:
ديار التي قامت تريك و قد عفت
و أقوت من الزّوّار كفّا و معصما
تهادى عليها حليها ذات بهجة
و كشحا كطيّ السابريّة [٥] أهضما
فبانت لطيّات [٦] لها و تبدّلت
به بدلا مرّت به الطير أشؤما
و عاذلتان هبّتا بعد هجعة
تلومان متلافا مفيدا ملوّما
قالت جميلة: أحسنت يا عبيد، و قد غفرنا لك زلّتك لحسن غنائك. قال معبد: جعلت فداءك! أ فلا أسمعك أنا أيضا لحنا عملته في هذا الشعر؟ قالت: هات و إنّي لأعلم أنك تحسن. فاندفع فغنّى:
فقلت و قد طال العتاب عليهما
و أوعدتاني أن تبينا و تصرما
ألا لا تلوماني على ما تقدّما
كفى بصروف الدّهر للمرء محكما
تلومان لما غوّر النجم ضلّة
فتى لا يرى الإنفاق في الحقّ مغرما [٧]
قالت جميلة: ما عدوت الظنّ بك و لا تجاوزت الطريقة التي أنت عليها. قال: مالك: أ فلا أغنّيك أنا أيضا؟ قالت:
ما علمتك إلّا تجيد الغناء و تحسن، فهات. فاندفع فغنّى في هذا الشعر:
يضيء لنا البيت الظّليل [٨] خصاصه [٩]
إذا هي ليلا حاولت أن تبسّما
/ إذا انقلبت [١٠] فوق الحشيّة مرّة
ترنّم وسواس الحليّ ترنّما
و نحرا كفاثور [١١] اللّجين يزينه
توقّد ياقوت و شذر [١٢] منظّما
[١] الأرواح: جمع ريح. و اذاعت به الأرواح أي أذهبته و طمست معالمه، و منه قول الراعي:
ربع قواء أذاع المعصرات به
[٢] حولا مجرّما: تاما كاملا.
[٣] رواية «الديوان»: دوارج قد غيرن إلخ».
[٤] في الأصول: «قالت».
[٥] السابرية: الثياب الرقيقة. و الأهضم: اللطيف الكشح.
[٦] كذا في «ديوانه». و في الأصول: «فبانت لآيات به ... إلخ».
[٧] يقع هذا البيت في «الديوان» قبل البيتين السابقين.
[٨] كذا في «ديوانه». و في الأصول: «يضيء لها البيت القليل إلخ».
[٩] الخصاص: المنافذ.
[١٠] كذا في «ديوانه». و في الأصول: «انصرفت» و هو تحريف.
[١١] الفاثور: الخوان الذي يتخذ من فضة، و به يشبه الصدر الواسع.
[١٢] كذا في «ديوانه». و في الأصول: «و شذرا» و السياق يقتضي أن يكون معطوفا على ياقوت. و هذا البيت في «ديوانه» بعد قوله:
«و كشحا كطيّ السابرية أهضما». و الشذر: اللؤلؤ الصغير و الخرز يفصل به بين الجواهر في النظم.