الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٥ - قدم المدينة و تحدث مع الأحوص حتى أخزاه و أقبل على أشعب و أجازه
صوت
ألا حيّ الديار بسعد [١] إنّي
أحبّ لحبّ فاطمة الدّيارا
إذا ما حلّ أهلك يا سليمى
بدارة صلصل [٢] شحطوا مزارا
أراد الظاعنون ليحزنوني
فهاجوا صدع قلبي فاستطارا
-/ غنّاه ابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر- فقال الفرزدق: ما أرقّ أشعاركم يأهل الحجاز و أملحها! قال: أ و ما تدري لمن هذا الشعر؟ قال: لا و اللّه. قال: فهو و اللّه لجرير يهجوك به. فقال: ويل ابن المراغة! ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، و أحوجني مع شهواتي إلى رقّة شعره!.
قدم المدينة و تحدث مع الأحوص حتى أخزاه و أقبل على أشعب و أجازه
: أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق الموصليّ، و أخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه قال [قال] [٣] إسحاق بن يحيى بن طلحة:
قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته، و جاء الأحوص فقال: أين هذا؟
فقلنا: قام آنفا، ما تريد منه؟ قال: أخزيه، و اللّه إن الفرزدق لأشعر منه و أشرف. فأقبل جرير علينا و قال: من الرجل؟ قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قال: هذا الخبيث بن الطيّب. ثم أقبل عليه فقال: قد قلت:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها
و أحسن شيء ما به العين قرّت
/ فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أ فيقرّ ذلك بعينك؟- قال: و كان الأحوص يرمى بالأبنة- فانصرف و أرسل إليه بتمر و فاكهة. و أقبلنا نسأل جريرا و هو في مؤخّر البيت و أشعب عند الباب؛ فأقبل أشعب يسأله؛ فقال له جرير: و اللّه إنك لأقبحهم وجها و لكنّي أراك أطولهم حسبا، و قد أبرمتني. فقال: أنا و اللّه أنفعهم لك. فانتبه جرير فقال: كيف؟ قال: إني لأملّح شعرك؛ و اندفع يغنّيه قوله:
صوت
يا أخت ناجية السلام عليكم
قبل الفراق و قيل لوم العذّل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم
يوم الفراق فعلت ما لم أفعل
قال: فأدناه جرير منه حتى ألصق ركبته بركبته و جعله قريبا منه؛ ثم قال: أجل! و اللّه إنك لأنفعهم لي و أحسنهم تزيينا [٤] لشعري، أعد؛ فأعاده عليه و جرير يبكي حتى اخضلّت لحيته، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه و كساه حلّة من حلل الملوك. و كان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنّيه أشعب و يعطيه جرير شعره فيغنّي فيه قال:
[١] سعد: ذكر البكري في «معجم ما استعجم» أنه موضع بنجد، و استشهد بهذا البيت.
[٢] دارة صلصل: لعمرو بن كلاب و هي بأعلى دارها بنجد، كذا ذكر ياقوت في «معجمه».
[٣] الزيادة عن ح.
[٤] في الأصول: «ترتيبا لشعري» و هو تصحيف.