الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٢ - قصة عشقه لها
قصة عشقه لها
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني أبو سعيد (يعني عبد اللّه بن شبيب) قال حدّثني أبو العالية الحسن بن مالك و أخبرني به الأخفش عن ثعلب عن عبد اللّه بن شبيب عن أبي العالية الحسن بن مالك الرّياحيّ العذريّ قال حدّثني عمر بن وهب العبسيّ قال حدّثني زياد بن عثمان الغطفانيّ من بني عبد اللّه بن غطفان قال: كنّا بباب بعض ولاة المدينة فغرضنا [١] من طول الثّواء، فإذا أعرابيّ يقول:/ يا معشر العرب، أ ما منكم رجل يأتيني أعلّله إذ غرضنا من هذا المكان فأخبره عن أمّ جحدر و عنّي؟ فجئت إليه فقلت: من أنت؟ فقال: أنا الرّمّاح بن أبرد، قلت: فأخبرني ببدء أمركما؛ قال: كانت أمّ جحدر من عشيرتي فأعجبتني، و كانت بيني و بينها خلّة، ثم إني عتبت عليها في شيء بلغني عنها، فأتيتها فقلت: يا أمّ جحدر إنّ الوصل عليك مردود؛ فقالت: ما قضى اللّه فهو خير.
فلبثت على تلك الحال سنة، و ذهبت بهم نجعة فتباعدوا، و اشتقت إليها شوقا شديدا، فقلت لإمرأة أخ لي: و اللّه لئن دنت دارنا من أمّ جحدر لآتينّها و لاطلبنّ إليها أن تردّ الوصل بيني و بينها، و لئن ردّته لا نقضته أبدا، و لم يكن يومان حتى رجعوا، فلمّا أصبحت غدوت عليهم فإذا أنا ببيتين نازلين إلى سند [٢] أبرق طويل، و إذا امرأتان جالستان في كساء واحد بين البيتين، فجئت فسلّمت، فردّت إحداهما و لم تردّ الأخرى، فقالت: ما جاء بك يا رمّاح إلينا؟ ما كنّا حسبنا إلّا أنه قد انقطع ما بيننا و بينك؛ فقلت: إني جعلت عليّ نذرا لئن دنت بأمّ جحدر دار لآتينّها و لأطلبنّ منها أن تردّ الوصل بيني و بينها، و لئن هي فعلت لا نقضته أبدا، و إذا التي تكلّمني امرأة أخيها و إذا الساكتة أمّ جحدر؛ فقالت امرأة أخيها: فادخل مقدّم البيت فدخلت، و جاءت فدخلت من مؤخّره فدنت قليلا، ثم إذا هي قد برزت، فساعة برزت جاء غراب فنعب على رأس/ الأبرق فنظرت إليه و شهقت و تغيّر وجهها؛ فقلت: ما شأنك؟
قالت: لا شيء، قلت: باللّه إلّا أخبرتني؛ قالت: أرى هذا الغراب يخبرني أنّا لا نجتمع بعد هذا اليوم إلّا ببلد غير هذا البلد، فتقبّضت نفسي، ثم قلت: جارية و اللّه ما هي/ في بيت عيافة [٣] و لا قيافة [٤]، فأقمت عندها، ثم تروّحت [٥] إلى أهلي فمكنت عندهم يومين، ثم أصبحت غاديا إليها، فقالت لي امرأة أخيها: ويحك يا رمّاح! أين تذهب؟ فقلت: إليكم؛ فقالت: و ما تريد؟ قد [٦] و اللّه زوّجت أمّ جحدر البارحة، فقلت: بمن ويحك؟ قالت:
برجل من أهل الشأم من أهل بيتها، جاءهم من الشام فخطبها فزوّجها و قد حملت إليه، فمضيت إليهم فإذا هو قد ضرب سرادقات، فجلست إليه فأنشدته و حدّثته و عدت إليه أياما، ثم إنه احتملها فذهب بها فقلت:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب
علينا و بعض الآمنين تصيب
[١] غرضنا: ضجرنا، يقال: غرض منه غرضا فهو غرض إذا ضجر منه و قلق.
[٢] السند: ما ارتفع من الأرض من قبل الجبل أو الوادي، و قيل: السند: ما قابلك من الجبل و علا عن السفح. و الأبرق من الجبال: ما كان له لونان من سواد و بياض. و قال ابن الأعرابي: الأبرق: الجبل مخلوطا برمل.
[٣] العيافة: زجر الطير و التفاؤل بأسمائها و أصواتها و ممرّها. و المعروف بالعيافة من العرب بنو أسد و بنو لهب و هم حيّ من الأزد (انظر «اللسان» مادة عاف و «شرح الشواهد الكبرى» للعينيّ بهامش «خزانة الأدب» للبغداديّ ص ١٥٩ ج ١).
[٤] القيافة: تتبع الآثار و معرفتها. و القائف هو الذي يتتبع الآثار و يعرفها و يعرف شبه الرجل بأبيه و أخيه. و المعروف بالقيافة من العرب بنو مدلج قبيلة من كنانة.
[٥] تروّحت: سرت.
[٦] يفصل بين قد و الفعل بالقسم كقوله:
أ خالد قد و اللّه أوطأت عشوة
و ما قائل المعروف فينا يعنف