الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٧ - حكاية أبيه عن جنونه بليلى
فلما سمع البيتين شهق شهقة شديدة و أغمي عليه، فمكث على ذلك ساعة، و نضحوا الماء على وجهه [حتى أفاق] [١] و تمكّن حبّ كل واحد منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه كلّ مبلغ.
خطبته لليلى و اختيارها عليه و شعره في ذلك
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني عبد الرحمن بن إبراهيم عن هشام بن محمد بن موسى المكيّ عن محمد بن سعيد المخزوميّ عن أبي الهيثم العقيليّ قال:
لما شهر أمر المجنون و ليلى و تناشد الناس شعره فيها، خطبها و بذل لها خمسين ناقة حمراء، و خطبها ورد بن محمد العقيليّ و بذل لها عشرا من الإبل و راعيها، فقال أهلها: نحن مخيّروها بينكما، فمن اختارت تزوّجته، و دخلوا إليها فقالوا: و اللّه لئن لم تختاري وردا لنمثّلنّ بك، فقال المجنون:
ألا يا ليل إن ملّكت فينا
خيارك فانظري لمن الخيار
و لا تستبدلي منّي دنيّا
و لا برما [٢] إذا حبّ [٣] القتار [٤]
يهرول في الصغير إذا رآه
و تعجزه ملمّات كبار
فمثل تأيّم منه نكاح
و مثل تموّل منه افتقار
فاختارت وردا فتزوّجته على كره منها.
حكاية أبيه عن جنونه بليلى
و أخبرني أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم بن عديّ عن عثمان بن عمارة بن حريم [٥] المرّي قال:
خرجت إلى أرض بني عامر لألقى المجنون، فدللت عليه و على محلّته، فلقيت أباه شيخا كبيرا و حوله إخوة للمجنون مع أبيهم رجالا؛ فسألتهم عنه فبكوه [٦]، و قال الشيخ: أما و اللّه لهو كان آثر عندي من هؤلاء جميعا، و إنه عشق امرأة من قومه و اللّه ما كانت تطمع في مثله، فلما فشا أمره و أمرها كره أبوها أن يزوّجه إياها بعد ما ظهر من أمرهما، فزوّجها غيره، و كان أوّل ما كلف بها يجلس إليها في نفر من قومها فيتحدّثون كما يتحدّث الفتيان [٧]، و كان أجملهم و أظرفهم و أرواهم لأشعار العرب، فيفيضون في الحديث فيكون أحسنهم فيه إفاضة، فتعرض عنه و تقبل على غيره، و قد وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فظنّت به ما هو عليه من حبها، فأقبلت عليه يوما و قد خلت فقالت:
[١] زيادة في ت، ح.
[٢] البرم: اللئيم.
[٣] في س: «حث» بالثاء.
[٤] القتار: ريح اللحم المشوي.
[٥] كذا في أ، م: «حريم» بالحاء و الراء المهملتين و هو الموافق لما جاء في «تاريخ ابن جرير الطبريّ» ص ٢٨١ قسم ٣ و في ت: «عثمان بن عميرة بن جرير المريّ». و في سائر النسخ: «عثمان بن عمارة بن خزيم المريّ».
[٦] في ت، ح: «فبكوا».
[٧] كذا في ت. و في أ، س، م: «فيتحدّثان كما يتحدّث الفتيان إلى الفتيات» و في ب: «فيتحدّثان كما يتحدّث الفتيان إلى الفتيان» و في ح: «فيتحدّثان كما يتحدّث الفتيان».