أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٥
و عند هذا: فيجب حمل الآية على الفسق الكامل، جمعا بينه، و بين ما ذكرناه من الأدلة، و يكون تقدير الآية: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [١] بالفسق الكامل، و ما ذكروه من الخبر؛ فقد قال علماء الأخبار: إنما ورد فى المنافقين فى زمن النبي- صلى اللّه عليه و سلم- و يجب الحمل عليه جمعا بينه، و بين ما ذكرناه من الأدلّة.
قولهم: إنّ من وقر الإيمان فى صدره، لا يكون منهمكا على فعل المعاصى- ليس كذلك؛ فإنّه لا يبعد ممّن وقر الإيمان فى صدره، و علم أنّ عذاب لحظة من الآخرة يزيد على نعيم الدنيا، أن يقدم على المعصية اغترارا منه بما يتوقعه من كرم ربه، و عفوه و صفحه عنه و إقلاعه عن المعصية بالتوبة، و الإنابة إلى الله- تعالى- على ما هو معلوم من حال كل عاص من المؤمنين؛ و يدل عليه: فعل الصغائر؛ فإنها و ان دلت على مخالفة أمر الله- تعالى- و نهيه، و تقديم اللّذات العاجلة على طاعة الله تعالى، فلا تدل على أنّ فاعلها ليس بمؤمن بالإجماع، و ليس ذلك إلا لما ذكرناه فى فعل الكبيرة،
كيف ..؟ و أن اسم النفاق مخصوص لمستبطن الكفر، و مظهر ضدّه باجماع المسلمين، و هو مشتق من النّافقاء [٢]، و هو جحر من جحر اليربوع فى الأرض، قد أعدّه للخروج منه إذا أتى عليه من الحجرة الظّاهرة، و مرتكب الكبيرة، غير مستبطن للكفر و لا معتقد لنقيض الحقّ؛ فلا يكون منافقا.
فإن قيل: قد روى عن عمر- رضى الله عنه- انه سأل حذيفة بن اليمان [٣] لما عرفه رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- المنافقين و أسماءهم، و قال له: هل عدنى رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- فى المنافقين و لو كان النفاق عبارة عن استبطان الكفر؛ فعمر- رضى الله عنه- كان يعلم من نفسه أنّه لم يكن مستبطنا للكفر، فكيف تشكّك فى نفسه؟
قلنا: إنما سأل عن ذلك نظرا إلى المآل، و خاتمة العمل علي ما جرت به العادة من وجل الأولياء/ و الصالحين من سوء العاقبة، و ما جرى به القلم فى السابقة، امّا أن يكون ذلك لتشككه فى حال نفسه، فى الحالة الرّاهنة؛ فلا.
[١]
سورة التوبة ٩/ ٦٧.
[٢]
(المنافق) من يخفى الكفر، و يظهر الإيمان و من يضمر العداوة و يظهر الصداقة. (النافقاء)
احدى جحرة اليربوع يكتمها، و يظهر غيرها. و هو أصل النفاق. [المعجم الوسيط- باب النون]
[٣]
هو أبو حذيفة بن حسل بن جابر العبسى- كان صاحب سرّ رسول الله فى المنافقين أعلمه بهم،
و لم يعرفهم لأحد غيره توفى سنة ٣٦ ه (تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ٢١٩)