أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٢٤
و أحكام الجهاد، و إظهار شعائر الإسلام فى أيام الجمع، و الأعياد، إنّما كان لمصالح الخلق، و الأغراض عائدة إليهم، معاشا و معادا، و ذلك مما لا يتم دون إمام مطاع، و خليفة متّبع، يكون من قبل الشارع بحيث يفوضون أزمتهم، فى جميع أمورهم إليه، و يعتمدون فى جميع أحوالهم عليه. فإنهم بأنفسهم مع ما هم عليه من اختلاف الأهواء، و تشتّت الآراء، و ما بينهم من العداوة، و الشحناء، قلّما ينقاد بعضهم لبعض، و ربما أدّى ذلك إلى هلاكهم جميعا [١].
و يشهد بذلك وقوع الفتن، و اختلاف الأمم، عند موت ولاة الأمر، من الأئمة إلى حين نصب إمام آخر، بحيث لو [١١]// تمادى الحال، فى إقامته لكثرت الاختلافات، و بطلت المعيشات، و عظم الفساد فى العباد، و صار كلّ مشغولا بحفظ نفسه، و ماله تحت قائم سيف/ و ذلك مما يفضى إلى رفع الدين، و هلاك الناس أجمعين، و منه قيل «الدين اس و السلطان حارس، و الدين و السلطان توأمان»، فإذن نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين، و أعظم مقاصد الدين، و هو حكمة الإيجاب السمعى [٢].
فإن قيل: لا نسلم تصوّر انعقاد الإجماع، و إن سلّمنا ذلك، و لكن لا نسلّم أنّ الإجماع حجة، و لا نسلّم صحّة التّواتر، و تقرير كل واحد مما سبق فى قاعدتى النظر، و النبوات [٣].
و إن سلمنا أن الإجماع حجة، و أن التواتر يفيد العلم؛ و لكن لا نسلم وجود الإجماع فيما نحن فيه، و ما المانع أن يكون ثمّ نكير، و أن الموافقة لم تتحقق إلّا من آحاد المسلمين [٤].
و الّذي يدل على ذلك، قول عمر- رضى الله عنه- «ألا إن بيعة أبى بكر كانت فلتة وقى اللّه شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه» [٥]؛ أى بايعت أبا بكر من غير مشورة؛ وقى اللّه شرها؛ فلا نعود إلى مثلها.
[١]
قارن ما ورد هاهنا بما ورد فى غاية المرام ص ٣٦٦، و شرح المواقف- الموقف السادس ص
٢٧٩ و ما بعدها.
و
انظر أصول الدين ص ٢٧١، و نهاية الأقدام ص ٤٧٨، و الأربعين للرازى ص ٤٢٨.
[١١]//
أول ل ١٥١/ ب.
[٢]
قارن بغاية المرام ص ٣٦٦، و نهاية الأقدام ص ٤٧٨.
[٣]
قاعدة النظر: هى القاعدة الثانية: انظر ما سبق فى الجزء الأول- ل ١٥/ ب و ما بعدها.
أما
النبوات: فى القاعدة الخامسة. انظر ما سبق فى الجزء الثانى- ل ١٣٨/ أ. و ما بعدها.
[٤]
انظر هذا الاعتراض و الرد عليه أيضا فى الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى ١/ ١٩٩ و ما
بعدها.
[٥]
فى صحيح البخارى ٨/ ٢١٠ قريب من هذا النص.