أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٦٣
و أما أنّ النبي- صلى اللّه عليه و سلم- مات غير راض عنه: فيدل عليه ما روى عن النبي- صلى الله عليه و سلم- أنه يوم ثقل قال «ائتونى بصحيفة و دواة أكتب لكم كتابا لا تختلفوا بعده، و أغمى عليه، فقال عمر: إنه ليهجر، حسبنا كتاب الله، و سنة رسوله، فلما أفاق قالوا: يا رسول الله، ألا نأتيك بالصحيفة، و الدّواة التى طلبت؛ لتكتب لنا ما لا نختلف بعده.
فقال: الآن بعد ما قلتم يهجر» [١] و لم يفعل؛ و ذلك يدل دلالة قاطعة، على عدم رضاه عنه.
[رد الآمدي على هذه المطاعن، و بيان أهلية عمر رضي اللّه عنه للإمامة]
و الجواب قولهم: إنّ طلحة خالف، لا نسلم أن طلحة كان منكرا لصحة العهد، و صحة إمامة عمر؛ بل غايته أنه نقم ما كان يتوهمه من فظاظته، و غلطته لا غير، و لهذا فإنه لم يزل متبعا له، مقتديا به، آخذا لعطائه، و داخلا فى رأيه، معينا له فى قضاياه، و ذلك كله مع إنكار صحة إمامته بعيد [٢].
و أما دعوى مخالفة عليّ، و شيعته فى ذلك: فجوابه بما سبق فى إمامة أبى بكر رضي اللّه عنه.
قولهم: إنه لم يكن أهلا للإمامة؛ لا نسلم ذلك، و دليله الإجمال و التفصيل. كما سبق فى حق أبى بكر.
و أما ما ذكروه فى الدلالة على إبطال أهليته؛ فباطل من جهة الإجمال؛ و التفصيل.
أما الإجمال: فهو أنه قد ورد فى حقه من النصوص، و الأخبار ما يدرأ عنه ما قيل عنه من الترهات، و هى و إن كانت أخبارها آحادا، غير أن مجموعها ينزل منزلة التواتر، فمن ذلك قوله- عليه الصلاة و السلام-: «إن من أمتى لمحدثين و إن عمر منهم» [٣]، و قوله- عليه الصلاة و السلام-: «اقتدوا باللّذين من بعدى أبى بكر، و عمر» [٤].
[١]
ورد بألفاظ مختلفة فى البخارى ١/ ٣٩، ٥/ ١١، ١٢، و فى المصنف ٥/ ٤٣٨، ٤٣٩.
[٢]
قارن هذا الرد بما ورد فى التمهيد للباقلانى ص ١٩٧، ١٩٨، و المغنى للقاضى عبد الحبار
٢٠/ ٢/ ٨.
[٣]
قارن بما ورد فى صحيح البخارى ٥/ ٢١٥ «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك فى
أمتى أحد فإنه عمر» و قارن به مسند أحمد ٦/ ٥، و صحيح مسلم ٧/ ١١٥، و سيرة عمر ص
١٨.
[٤]
راجع ما مر هامش ل ٢٦٨/ ب.