أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٠١
الخامس: أن ابن جرموز [١] لما أتى إلى عليّ- رضى الله عنه- برأس الزبير [٢] و قد قتله بوادى السباع [٣]، و قال: الجائزة يا أمير المؤمنين، فقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم- يقول: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار». و هو لا يخلو: إما أن يكون قتله حراما، أو لا يكون حراما.
فإن كان حراما: فالإنكار على فعل المحرم واجب لقوله عليه السلام: «من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» [٤]، و عليّ كان قادرا على الإنكار على ابن جرموز بيده، و لسانه، و لم ينقل عنه الإنكار؛ فكان تاركا للواجب.
و إن لم يكن حراما: فقد أخطأ فى اعتقاد استحقاق فاعل ما ليس بحرام النار، مع ما فيه من حمل كلام النبي على ما لا يليق.
السادس: أنه- رضي اللّه عنه- قال و قد رقى على منبر الكوفة فى حق أمهات الأولاد:
«اتفق رأيى، و رأى عمر، على أن لا يبعن، و الآن فقد رأيت بيعهن»، فقام إليه عبيدة السّلمانى و قال: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، فقال: «إن السّلمانى لفقيه». و فى ذلك دلالة على أنه ليس بمعصوم؛ فإنه لا بدّ و أن يكون مصيبا فى إحدى الحالتين، و مخطئا فى الأخرى [٥].
[١]
هو عمرو بن جرموز التميمى، قتل الزبير بن العوام- رضى الله عنه- بعد مغادرته أرض المعركة.
و ابن جرموز فى النار لقول الرسول- صلى الله عليه و سلم- «بشر قاتل بن صفية بالنار»
و من الغريب أن ابن جرموز قتل الزبير- رضى الله عنه- و هو يصلى و قتل الزبير و عمره
خمس و سبعون سنة.
[انظر
مروج الذهب ٢/ ٣٧٢ و ما بعدها].
[٢]
الزبير بن العوام:- رضى الله عنه- بن خويلد الأسدى القرشى، أبو عبد الله أحد العشرة
المبشرين بالجنة، الصحابى الشجاع، أول من سل سيفه فى الاسلام- ولد بمكة سنة ٢٨ قبل
الهجرة.
و
أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله- صلى الله عليه و سلم- أسلمت و أسلم معها الزبير
و هو صغير؛ فعذبه عمه لكى يترك الاسلام فلم يفعل و هاجر الهجرتين إلى أرض الحبشة، و
لم يتخلف عن غزاة غزاها رسول الله- صلى الله عليه و سلم- و كان من الستة الذين رشحهم
عمر للخلافة بعده، قتله ابن جرموز غيلة يوم الجمل سنه ٣٦ ه روى ٣٨ حديثا.
[صفة
الصفوة ١/ ١٢٨- ١٣٠، و الأعلام للزركلى ٣/ ٤٣].
[٣]
وادى السباع مكان يقع بين البصرة و الكوفة على بعد خمسة أميال من البصرة (معجم البلدان
٨/ ٣٧٣).
[٤]
أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ٣/ ٢٠، و مسلم فى صحيحه ١/ ٥٠.
[٥]
انظر ما ذكره الآمدي فى غاية المرام ص ٣٨٥، و قارن بما ورد فى التمهيد للباقلانى ص
١٨٥.