أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٤٦
كيف و أن حمل الخبر على ما قيل ممّا يبطل فائدة تخصيص النبيين بالذكر، من حيث أن غيرهم مشارك لهم فى ذلك بالإجماع.
قولهم إن الآية مترجحة؛ لموافقة قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [١] و قول زكريا: يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [٢].
قلنا: يحتمل أن يكون المراد به وراثة العلم، و وراثة العلم سابقة؛ لقوله تعالى/ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [٣] و قوله- عليه الصلاة و السلام- «العلماء ورثة الأنبياء» [٤] و يجب الحمل على هذا المعنى الأمور أربعة:
الأول: ما فيه من الجمع بين الأدلة بأقصى الإمكان.
الثانى: أن قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ إنما ذكره فى معرض التعظيم له، و الإجلال لشأنه؛ و ذلك إنما يليق بوراثة العلم، لا بوراثة المال.
الثالث: أنه قد كان لداود أولاد أخر لم يذكرهم، و لو كان المراد به وراثة المال؛ لما اختص به سليمان دونهم.
الرابع: قول سليمان: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [٥]؛ و ذلك دليل [على] [٦] أنه أراد بالميراث، العلم دون غيره، و لما كانت وراثة العلم أشرف من وراثة المال؛ فيجب أيضا حمل قول زكريا عليه.
كيف و أنه قد قيل: إن زكريا كان رجلا فقيرا، لا مال له غير قدوم، و منشار، و ليس ذلك ممّا يعظم عند نبى كريم، حتى أنه يطلب حرمان مستحقيه عنه؛ فتعين أن يكون المراد به، وراثة العلم، و لا يلزم من كونه طلب ولدا يرث علمه، أن يكون قد بخل بوصول علمه إلى غير ولده؛ ليكون حراما؛ فإنه لا يمتنع مع ذلك أن يكون ولده، و غير ولده وارثا لعلمه.
[١]
سورة النمل ٢٧/ ١٦.
[٢]
سورة مريم ١٩/ ٦.
[٣]
سورة فاطر ٣٥/ ٣٢.
[٤]
رواه البخارى فى صحيحه «و إن العلماء هم ورثة الأنبياء ورّثوا العلم من أخذه أخذ بحظ
وافر، و من سلك طريقا يطلب به علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة). كتاب العلم- باب
العلم قبل القول و العلم- (١/ ١٩٢). و قارن بلفظ متقارب بمسند أحمد/ ١٩٦، و سنن الدارمي
١/ ٩٨.
[٥]
سورة النمل ٢٧/ ١٦.
[٦]
ناقص من (أ).