أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٨
قوله- تعالى- وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [١]؛ بل المراد من الآية أنكم لا تحملكم الشفقة و رأفة الجنسية على إسقاط حدود الله- تعالى- بعد وجوبها. و الّذي يدلّ على ذلك أن مرتكب الكبيرة، إذا تاب فإنّه مؤمن بالإجماع، و مرحوم و إن أقيم عليه الحدّ.
كيف و أن ما ذكروه معارض بما قدّمناه، من النصوص الدّالة علي نفى الممانعة بين الإيمان و فعل الكبيرة.
قولهم: إنّ المؤمن لا يخزى، و قاطع الطريق مع كونه مصدّقا مخزى؛ لما ذكروه من الآيتين.
قلنا: ليس فيما ذكروه دلالة؛ و ذلك لأنّ آية نفى الخزى، دلّت على نفى الخزى فى الآخرة، و آية القطّاع دالّة على الخزى فى الدّنيا، و لا يلزم من منافاة الخزى، فى يوم القيامة للإيمان، منافاته للإيمان/ فى الدنيا
كيف و أن آية نفى الخزى قاصرة علي النبي و صحابته؛ فلا تعم.
قولهم: المستطيع إذا ترك الحجّ من غير عذر كافر. لا نسلم ذلك، و قوله تعالى:
وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. و إن دلّ على وجوب الحج لقوله- تعالى- وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [٢]. ليس فيه ما يدلّ على الكفر بترك الحجّ الواجب؛ بل هو ابتداء كلام آخر، و المراد به من لم يصدّق.
و إن سلمنا أن المراد به الكفر، بترك الحج الواجب، فالمراد به أنه من لم يصدق بمناسك الحجّ، و جحدها اعتقادا؛ و ذلك لا يتصور معه التّصديق.
قولهم: إنّ من لم يحكم بما انزل الله فهو كافر.
فقد قال المفسرون: المراد به من لم يعتقد التزام أحكامه، و لم يستسلم لاحكام الإسلام؛ و ذلك لا يتصور معه التصديق.
و قوله عليه السلام: «لا يزنى الزانى حين يزنى و هو مؤمن» [٣] لا نسلم أن قوله: و هو مؤمن فى هذا الحديث، مأخوذ عن الإيمان؛ بل من الأمن، و معناه لا يزنى الزّانى حين يزنى و هو مؤمن- أى على أمن من عذاب الله تعالى.
[١]
سورة الأعراف ٧/ ١٥٦.
[٢]
سورة آل عمران ٣/ ٩٧.
[٣]
سبق تخريج هذا الحديث فى ل ٢٣٧/ ب.