أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢١١
حق فى الإمامة؛ فلا يشك عاقل أن أحدا لا ينزل عن ولايته، و عظيم مملكته مسلما فى ذلك الأمر لعدوه، رغبة عنها عادة؛ بل العادة تقضى أن ذلك لا يكون إلّا لدفع مفسدة تربى على مصلحة الولاية، فما ظنك بمن كان معصوما، و مستحقا للإمامة، و واجبا عليه طلبها، للقيام بلوازمها.
و على هذا فنزوله عن الإمامة، و تسليمها إلى معاوية مع فسقة، إنما كان لما ظهر له من تخاذل أصحابه، و ميلهم إلى أموال معاوية، و دنياه، و أن الأمر لا يتم له، و أن الإصرار على طلب الحق ممّا يفضى إلى ضرر يحل به، و بشيعته يزيد على مصلحة الإمامة.
و أما إظهار البيعة منه لمعاوية، و موالاته، و أخذ عطاياه؛ فجوابه ما سبق فى قصة عليّ عليه السلام.
و أما عذل بعض أصحابه له على ذلك، و تسميتهم له خاذل المؤمنين؛ فإنما كان لاغترارهم بما رأوه من كثرة عدد أصحابه، و بموافقتهم له فى مراده، و أن الأمر لو استمر على الإمامة، لدام، و لم يقفوا على ما وقف عليه، و لم ينتهوا لما يفضى عاقبة الأمر إليه؛ لغلظ أفهامهم، و قلة معرفتهم.
و ما ذكرتموه من الإلزام الثالث فى قصة الحسين عليه السلام، فغير لازم.
أيضا؛ فإنه إنما تحرك إلى الكوفة بعد أن ظهر له من أهل الكوفة الرغبة فيه، و الميل إليه، بما أخذه عليهم من العهود، و المواثيق بعد كثرة مكاتبات رؤسائهم له، و الأعيان منهم/ و من تبعهم من السواد الأعظم، و ذلك مع ما اجتمع له من الأعوان، و الأنصار المعتمد عليهم. و متى غلب على ظن الإمام الوصول إلى حقه، و القيام بما أوجبه [اللّه] [١] عليه من النظر فى أحوال المسلمين؛ وجب عليه السعى فى طلبه.
و أما عذل من خذله: كابن عباس، و ابن عمر، و غيرهما؛ فإنما كان لأنه لم يظهر لهم ما ظهر له [من قرائن الأحوال، و مكاتبات أهل الكوفة له] [٢] بالمعاضدة و المناصرة.
و أما قولكم: إنه ألقى نفسه، و شيعته فى التهلكة، حيث أنه لم ينزل على أمان عبيد اللّه بن زياد؛ ليس كذلك؛ فإنه كيف يظنّ به ذلك، و قد قال لعمر بن سعد [٣] لما
[١]
لفظ الجلالة ساقط من (أ).
[٢]
ساقط من أ.
[٣]
عمر بن سعد (توفى سنة ٦٦ ه) هو عمر بن سعد بن أبى وقاص من التابعين، كان على رأس الجيش
الّذي قتل الامام الحسين- رضى الله عنه- و صحبه، و قد قتله المختار بن أبى عبيد.
[تاريخ
الطبرى ٥/ ٤١٢، تهذيب التهذيب ٧/ ٤٥٠].