أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٤
و أما السنة: فقوله- عليه الصلاة و السلام-: «أطعه و لو ضرب بطنك، أطعه و لو ضرب ظهرك، أطعه و لو كان عبدا حبشيا» [١]. و ظاهر ذلك يدل على نفى اعتبار القرشية.
و أما المعقول: فهو أن المقصود من الإمام، إقامة السياسة، و الذبّ عن دار الإسلام، و حماية حوزتهم، و القيام بالقوانين الشرعية، كما تقدم؛ و ذلك يحصل بما سبق من الشروط؛ فلا حاجة إلى النسب.
و الجواب: لا نسلم وجود الإجماع على إسقاط اعتبار القرشية، و الرواية عن عمر مختلفة [٢]، فقد قيل أنه قال: «لو كان سالم فى الأحياء لما شككت أنى كنت أشاوره» و بتقدير أن تكون الرواية على ما ذكروه/ فقد قيل إنه كان قرشيا [٣].
و بتقدير أن لا يكون قرشيا، فلم يصرح عمر بصلاحيته للإمامة، فلعله أراد بذلك أنه ما كان يرتاب فيمن يعينه للإمامة، أو معنى آخر، و يجب الحمل على ذلك نفيا للتعارض بينه، و بين الإجماع السابق على اشتراط القرشية.
و قوله- صلى الله عليه و سلم- «أطعه و لو ضرب بطنك، أطعه ... الحديث، فمن باب الآحاد [٤]؛ فلا يقع فى مقابلة الإجماع المتواتر المعلوم وقوعه ضرورة، و بتقدير القطع بسنده؛ فليس فيه ما يدل على أنه أراد به الإمام؛ بل يحتمل أنه أراد به السلطان، و ليس كل سلطان إماما، و إن كان كل [إمام] [٥] سلطانا، و يجب الحمل أيضا على ذلك دفعا للمعارضة بينه، و بين الإجماع السابق.
و أما المعقول: فلا يقع فى مقابلة الإجماع المقطوع به. كيف و أنه يحتمل أن يكون للقرشية زيادة تأثير فى حصول مقاصد الإمامة بسبب غلبة انقياد الناس للقرشى؛ لعلو نسبه من رسول الله- صلى الله عليه و سلم-، على ما جرت به العوائد من زيادة الانقياد للعظماء و بدون القرشية؛ فلا تحصل تلك الزوائد من المقاصد [٦].
[١]
ورد بألفاظ مختلفة فى صحيح البخارى ٨/ ٧٨، و مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦ و ما بعدها،
٥/ ١٧٩.
[٢]
قارن بما ورد فى المغنى فى أبواب التوحيد و العدل ٢٠/ ٢٣٦.
[٣]
قارن هذا الرد بما ورد فى نهاية الأقدام ص ٤٩١، و غاية المرام ص ٣٨٤.
[٤]
قارن هذا الردّ بما أورده القاضى عبد الجبار فى المغنى ٢٠/ ٢٠٤.
[٥]
ساقط من أ.
[٦]
قارن هذا الرد بما ذكره صاحب المغنى ٢٠/ ٢٣٥، و انظر مقدمة ابن خلدون ص ١٩٥ و ما بعدها.