أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٦٩
الجليات، و خفاء الواضحات، بسبب موت النبي- صلى اللّه عليه و سلم، حتى أنه تنقل أن بعض الصحابة فى تلك الحالة غمى، و بعضهم خرس، و بعضهم جنّ، و بعضهم هام على وجهه، و بعضهم صار مقعدا لا يقدر على القيام، فما ظنك بالغفلة عمّا قيل من الآيات.
و أما قصته مع السائل عن الآيات المذكورة: فإنما فعل به ما فعل، لا لأنه كان جاهلا بمعانيها، و كيف يظن به ذلك، و قد كان من بلغاء العرب، و فصحاء أهل الأدب، و من شاهد التنزيل، و عرف التأويل، و شواهد ذلك فى أقواله، و المسائل المأثورة عنه كثيرة غير قليلة، مع أن عادة العقلاء غير جارية بأذى من سأل عمّا لا يعرف المسئول جوابه؛ بل إنما فعل به ذلك؛ لأنه ظهر له منه أنه قاصد الإزراء و التنقص، و الامتحان دون قصد الفائدة [١].
و الإمام له تأديب من هو من هذا القبيل. ثم لو كان سؤاله عمّا لم يعرف عمر جوابه موجبا لضربه، و أذاه، أو أن الموجب لذلك سد باب/ السؤال عليه؛ لكان فعل ذلك بالمرأة المعترضة عليه فى منعه من المغالاة فى مهور النساء، و إفحامه بين الناس حتى قال: «كل الناس أفقه من عمر حتى النساء» أولى [٢].
قولهم: إنه كان جاهلا بالأحكام الشرعية، إن أرادوا به أنه لم يكن قادرا على معرفتها بالاجتهاد؛ فممنوع.
و إن أرادوا به أنها لم تكن عنده حاضرة، مفصلة؛ فمسلم؛ لكن ذلك مما لا يوجب القدح فيه؛ إذ هو مشارك لجميع أئمة الاجتهاد فى ذلك.
و ما ذكروه من قصة [اليهودى] [٣]: فلا نسلم صحة قوله: «اقتل و أنا معك».
و أما أنه لم يقم على المقر حدّ قذف المرأة فلأنها لم تطالب به و المطالبة شرط فيه.
قولهم: إنه أهدر دم اليهودى بمجرد قول المقرّ، لا نسلم ذلك؛ بل غايته أنه لم يوجب عليه القصاص؛ لأنه ما كان يرى قتل المسلم بالذمى.
و أما أنه لم يوجب عليه الدّية؛ لأن شرط إلزامه بها مطالبة ولى القتيل، و لم يطالب بها.
و أما أنه لم يوجب عليه كفارة، فلعله كان لا يرى إيجاب الكفارة فى القتل العمد.
[١]
قارن هذا الرد بما ورد فى الإتقان ٢/ ٥.
[٢]
قارن بما ذكر القاضى عبد الجبار فى المغنى فى أبواب التوحيد و العدل- الجزء العشرون-
القسم الثانى ص ١٣.
[٣]
ساقط من (أ).