أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٤١
و أما التفصيل: فهو أن الشروط المعتبرة فى الإمامة كلها متحققة فى حقه [١]، فإنه كان ذكرا، حرا، قرشيا، مشهور النسب، بالغا، عاقلا من غير خلاف، و كان مسلما، عدلا، ثقة؛ لأنه كان متظاهرا بالإسلام، و التزام أحكامه، و الإقرار بالشهادتين، محافظا على أمور دينه، رشيدا فى دينه، و دنياه و لم يعلم منه صدور كبيرة، و لا مداومة على صغيرة، و لا معنى للمسلم العدل إلا هذا.
و كان من أهل الحل، و العقد، و الاجتهاد فى المسائل الشرعية، و الأمور السمعية، و له فى ذلك الأقوال المشهورة، و المذاهب المأثورة فى أحكام الفرائض، و غيرها. كما هو معروف فى مواضعه، مضافا إلى ما كان يعلم من أنساب العرب، و وقائعها، و العلوم الأدبيّة و الأمور السياسية، التى لا ريب فيها إلا لجاحد معاند.
و كان مع ذلك خبيرا بأمور الحرب، و ترتيب الجيوش، و حفظ الثغور، بصيرا بالأمور السياسية، لم يلف فى تصرفه مدة ولايته خلل، و لا زلل.
و كان شجاعا [مقدما]، مقداما، شديد البأس قوىّ المراس، ثابت الجنان وقت التحام الشدائد، و اصطلام الأهوال بدليل صبره مع النبي- صلى اللّه عليه و سلم- فى ساعة الخوف، و استتاره فى الغار [٢] من الكفار، و وضع عقبه على كوة فى الغار، و قد لسعته الأفعى، و لم يتأوّه مخافة استيقاظ النبي- صلى اللّه عليه و سلم-.
و قصته المشهورة مع المرتدين، و قد تخاذل الصّحابة عنهم و قوله: «لأقاتلنهم و لو بابنتى هاتين» [٣]. و أنه لم يتخلف عن رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- فى وقعة من الوقائع، و لا مشهد من المشاهد، إلا و هو أول القوم، و آخرهم فى نصرة الدين، و الذّب عن حوزة المسلمين، و أنّه كان مطاعا، مهابا، نافذ الأمر، صيّب النّظر، بدليل رجوع الصّحابة فى وقت اضطرابهم، و تشويش أحوالهم، عند ما قبض النبي- صلى اللّه عليه و سلم- و اختلافهم فى موته [٤] و محلّ
[١]
قارن بما ورد فى المراجع التالية: الإبانة عن أصول الديانة للإمام الأشعرى ص ٢٠٤ و
ما بعدها. و اللمع له أيضا ص ١٣١، ١٣٢، و التمهيد للباقلانى ص ١٨٧- ١٩٧. و الإرشاد
للجوينى ص ٢٤٠ و ما بعدها، و الأربعين للرازى ص ٤٠ و ما بعدها و المغنى فى أبواب التوحيد
و العدل للقاضى عبد الجبار ٢٠/ ٢١٥ و ما بعدها من القسم الأول.
و
شرح المواقف- الموقف السادس ص ٢٩٥ و ما بعدها.
[٢]
كان رضي الله عنه ثانى اثنين فى الغار قال تعالى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ
اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة ٤٠].
[٣]
انظر صحيح البخارى ٩/ ١١٥، و صحيح مسلم ١/ ١٣٨ فقد وضحا الأقوال المأثورة التى تدل
على إصرار أبى بكر- رضي اللّه عنه- على قتال المرتدين.
[٤]
قال الشهرستانى فى الملل و النحل ص ٢٣: مبينا الخلافات التى حدثت فى الملة الإسلامية.
«الخلاف الثالث: فى موته عليه السلام. قال عمر بن الخطاب: من قال إن محمدا قد مات قتلته
بسيفى هذا ...» و انتهى الخلاف على يد أبى بكر- رضي اللّه عنه- عند ما قرأ قول الله
تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ
ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ.