أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٩
ثم اختلافهم فى قتل عثمان [١]، و اختلفوا فى خلافة على [٢] و معاوية، و ما جرى فى وقعة الجمل، وصفين إلى غير ذلك.
ثم اختلافهم أيضا فى بعض الأحكام الفرعية: كاختلافهم فى الكلالة [٣] و ميراث الجد مع الإخوة و الأخوات، و عقل الأصابع، و ديات الأسنان إلى غير ذلك من الأحكام، و لم يزل الأمر فى الخلاف يتدرج إلى آخر أيام الصحابة حتى ظهر معبد الجهنى [٤]، و غيلان الدمشقى [٥]، و يونس الأسوارى [٦]، و خالفوا فى القدر، و منعوا من إضافة الخير و الشر، إلى الله- تعالى- و إلى تقديره، و لم يزل الخلاف يتشعب، و الآراء تختلف، حتى تفرق الإسلام، و أرباب المقالات فيه، إلى ثلاث و سبعين فرقة، و كان ذلك من معجزات النبي- صلى اللّه عليه و سلم- حيث وقع ما أخبر به قبل وقوعه حيث قال- عليه الصلاة و السلام-:
«افترقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة، و افترقت النصارى على اثنين و سبعين فرقة، و ستفترق أمتى على ثلاث و سبعين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة، قالوا يا رسول الله:
من الملّة الواحدة التى تنقلت قال: ما أنا عليه و أصحابى» [٧].
[١]
انظر ما سيأتى فى قاعدة الإمامة ل ٣٠٨/ أ و ما بعدها.
[٢]
انظر ما سيأتى فى قاعدة الإمامة ل ٣٠٨/ ب و ما بعدها.
[٣]
الكلالة: من مات و لا والد له، و لا ولد، قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ
فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا
اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَ إِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا
وَ نِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ
تَضِلُّوا وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة النساء ٤/ ١٧٦.
[٤]
معبد الجهنى: هو معبد بن خالد الجهنى البصرى- ولد بالبصرة، و تنقل بين دمشق، و المدينة
المنورة، و هو أول من تكلم فى القدر. فقد رأى من يتعلل فى المعصية بالقدر؛ فأراد أن
يرد عليه، و لكنه أخطأ و قال: «لا قدر و الأمر أنف»، فنبذه الصحابة، و التابعون، و
قتله الحجاج بعد سنة ثمانين. (العبر ١/ ٩٢- البداية و النهاية ٩/ ٤٤- ميزان الاعتدال
٣/ ١٨٣)
[٥]
هو أبو مروان غيلان بن مروان بم مسلم الدمشقى، أخذ القول فى القدر عن معبد الجهنى،
و له فرقة تنسب إليه (الغيلانية) من المرجئة قتله هشام بن عبد الملك عند ما تولى الخلافة
(لسان الميزان ٤/ ٤٢٤- الانتصار للخياط ص ١٨٩).
[٦]
الأسوارى: هو أبو على الأسوارى: كان من أتباع أبى الهذيل العلاف ثم انتقل إلى مذهب
النظام و هو شيخ الأسوارية من المعتزلة، عدّ من الطبقة السابعة (طبقات المعتزلة ص
٧٢، الفرق بين الفرق ١٦٥، الانتصار ص ٤٨) و انظر عنه أيضا ما سيأتى ل ٢٤٥/ أ.
[٧]
قارن بما ورد فى الفرق بين الفرق للبغدادى، الّذي اهتم بهذا الحديث و خصص له الباب
الأول من كتابه فقال:
«الباب
الأول: فى بيان الحديث المأثور فى افتراق الأمة» قال: و للحديث الوارد على افتراق الأمة
أسانيد كثيرة و قد رواه عن النبي- صلى اللّه عليه و سلم- جماعة من الصحابة: كأنس بن
مالك، و أبى هريرة و أبى الدرداء، و جابر و أبى سعيد الخدرى، و أبى بن كعب و عبد الله
بن عمرو بن العاص، و أبى أمامة، و وائلة بن الأسقع، و غيرهم و قد ورد هذا الحديث بعدة
ألفاظ. و ما هنا فقد أخرجه أبو داود فى سننه ٢/ ٥٠٣ عن أبى هريرة رضي اللّه عنه. و
أخرجه الترمذي فى سننه ٥/ ٢٥ عن أبى هريرة أيضا، و قال عنه هذا حديث حسن صحيح. و قد
ذكر صاحب الفرق بين الفرق رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو رضي اللّه عنه قال: قال رسول
الله- صلى اللّه عليه و سلم-: «ليأتين على أمتى ما أتى على بنى إسرائيل، تفرّق بنوا
إسرائيل على اثنتين و سبعين ملّة، و ستفترق أمتى على ثلاث و سبعين ملة، تزيد عليهم
ملة، كلهم فى النار لا ملة واحدة، قالوا: يا رسول الله و ما الملة التى تتغلب؟ قال:
ما أنى عليه و أصحابى». كما ذكر رواية ثالثة عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه و سلم
قال: «إن بنى إسرائيل افترقت على إحدى و سبعين فرقة، و إن أمتى ستفترق على اثنتين و
سبعين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة و هى الجماعة».