أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٧
الفصل الرابع فى أن مخالف الحق من أهل القبلة هل هو كافر أم لا؟
[المسلمون قبل ظهور الفرق]
و قبل النظر فى تحقيق الحق، و إبطال الباطل من ذلك، لا بد من الإشارة إلى فرق المخالفين، و أرباب المقالات من الملّة الإسلامية، و التنبيه على مقالة كل فريق، و فى خلال ذلك يلوح الكفر من الإيمان.
فنقول: اعلم [١] أن المسلمين كانوا عند وفاة النبي صلى اللّه عليه و سلم ملة واحدة، و على عقيدة واحدة، غير من كان يبطن النفاق، و يظهر الوفاق- ثم نشأ الخلاف فيما بينهم.
[نماذج من الاختلافات التى استطاع المسلمون التغلب عليها]
أولا: فى أمور اجتهادية، كان غرضهم منها، إقامة مراسم الشّرع، و إدامة مناهج الدين، لا توجب إيمانا، و لا تكفيرا: و ذلك كاختلافهم عند قول النبي- صلى اللّه عليه و سلم- فى مرض موته: (آتونى بداوة و قرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلوا ..) حتى قال عمر- رضي اللّه عنه- إنّ النبي- صلى اللّه عليه و سلم- قد غيبه الوجع حسبنا كتاب الله و كثر اللغط فى ذلك حتى قال النبي- صلى اللّه عليه و سلم-: «قوموا عنى لا ينبغى عندى التنازع» [٢]. و كاختلافهم بعد ذلك فى التخلف عن جيش أسامة، و قد قال النبي- صلى اللّه عليه و سلم-: «جهزوا جيش أسامة لعن من تخلف عنه» [٣].
حتى قال قوم بوجوب الإتباع، و قال قوم بالتخلف، انتظارا لما يكون حال رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- فى مرضه.
[١]
جرت عادة المتكلمين و كتاب الفرق على ذكر أسباب افتراق الأمة، و منشأ الخلاف بينها
و قد استفاد الآمدي ممن سبقه، و أثّر فيمن أتى بعده. انظر: مقالات الإسلاميين و اختلاف
المصلين ص ٣٤ و ما بعدها. الفرق بين الفرق للبغدادى ص ٤ و ما بعدها. و الملل و النحل
للشهرستانى ١/ ٢١ و ما بعدها فقد اختصر الآمدي ما كتبه الشهرستانى فى الملل و النحل
فى هذه المقدمة و انظر أيضا اعتقادات فرق المسلمين و المشركين للرازى (كله فى هذا الموضوع).
و التبصير فى الدين لأبى المظفر الأسفراييني ص ١٢ و ما بعدها. و ممن استفاد من الآمدي
و نقل عنه شارح المواقف الشريف الجرجانى فقد نقل نص الآمدي من أول قوله قائلا: «قال
الآمدي: كان المسلمون عند وفاة النبي صلى اللّه عليه و سلم. إلى قوله حتى تفرق أهل
الإسلام و أرباب المقالات فيه إلى ثلاث و سبعين فرقة» (الأبكار ٢/ ل ٢٤٣/ ب إلى ل
٢٤٤/ أ). و هذا يؤكد ما ذهبت إليه من أنّ الإيجى لخص كتاب الأبكار فى كتابه المواقف.
كما أن شارح المواقف الشريف الجرجانى قد اعتمد فى شرحه على الأبكار أيضا.
[٢]
قارن بما ورد فى الملل و النحل للشهرستانى ١/ ٢٢، و تذييل شرح المواقف للجرجانى ص
١ و الحديث فى الطبقات الكبرى ٢/ ٢٤٢ و ما بعدها (باب فى ذكر الكتاب الّذي أراد رسول
الله صلى اللّه عليه و سلم أن يكتبه فى مرضه الّذي مات فيه) و قد رواه ابن سعد عن عمر
رضي اللّه عنه.
[٣]
قارن بما ورد فى الملل و النحل للشهرستانى فى ١/ ٢٣، و تذييل شرح المواقف ص ١ و الحديث
أخرجه ابن سعد فى الطبقات الكبرى بلفظ مقارب ٢/ ٤٨ و ما بعدها باب ما قاله رسول الله
صلى اللّه عليه و سلم فى مرضه لأسامة بن زيد.