أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٠
و أما المعتزلة [١]:
فإنهم قسموا المعصية إلى ما يكفر المكلف بها، و إلى ما يخرجه عن الإيمان من غير اتصاف بكفر؛ بل بالفسق، و إلى ما لا يخرجه عن الإيمان، و لا يستوجب فاعلها مع تجنب الكبائر سمه الفسق.
و أما أصحابنا فإنهم قالوا:
من ارتكب كبيرة من أهل الصلاة، أو داوم على صغيرة؛ فهو مؤمن، و ليس بكافر؛ بل فاسق. و من فعل صغيرة واحدة؛ فهو عاص؛ و ليس بفاسق.
و إذ أتينا على شرح المذاهب بالتفصيل؛ فلا بد من إبطال مذاهب المخالفين.
أما الرد على المرجئة:
فى قولهم: إنّ مرتكب الكبيرة ليس بفاسق: فهو أنّ ما ذكروه على خلاف إجماع الأمة من السّلف، و الخلف على تسمية مرتكب الكبيرة فاسقا، و اتفاقهم على المنع من قبول شهادته و اخباره/ كيف و أنّ الفسق لا معنى له غير الخروج [١١]// عن الطّاعة و منه قوله تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [٢]: أى خرج عن طاعة أمره. و مرتكب الكبيرة خارج عن الطاعة، و سواء كان ذلك بترك واجب، أو فعل محظور.
قولهم: إن الإيمان بالله- تعالى- يمحص كل ذم و لائمة؛ فهو باطل بما سبق فى القاعدة السادسة [٣].
قولهم: إنّ من صحّ إيمانه لا يصحّ عليه الرّدة؛ ليس كذلك. و دليله العقل و النص، و الإجماع.
أما العقل:
فهو أنه لا يلزم من فرض ردة المؤمن محال فى ذاته، و نفسه؛ و لا معنى لصحة الرّدّة إلا هذا.
[١]
قال القاضى عبد الجبار: موضحا رأى المعتزلة فى هذه المسألة: «صاحب الكبيرة له اسم بين
الاسمين، و حكم بين الحكمين. لا يكون اسمه اسم الكافر، و لا اسمه اسم المؤمن و إنما
يسمى فاسقا.
و
كذلك فلا يكون حكمه، حكم الكافر، و لا حكم المؤمن؛ بل يفرد له حكم ثالث، و هذا الحكم
الّذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين. فإنّ صاحب الكبيرة له منزلة
تتجاذبها هاتان المنزلتان؛ فليست منزلته منزلة الكافر، و لا منزلة المؤمن؛ بل له منزلة
بينهما».
(شرح
الأصول الخمسة للقاضى عبد الجبار ص ٦٩٧).
و
انظر آراء فرق المعتزلة بالتفصيل فى الفصل الرابع من هذه القاعدة ل ٢٤٤/ أ و ما بعدها.
[١١]//
أول ل ١٣٨/ أ.
[٢]
سورة الكهف ١٨/ ٥٠.
[٣]
راجع ما مر ل ٢٦٨/ ب و ما بعدها. (القاعدة السادسة- الفصل الثالث: فى أحكام الثواب
و العقاب).