أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٩٠
فنقول: اعلم أن التفضيل بين الأشخاص. قد يطلق و يراد به اختصاص أحد الشخصين عن الآخر: إمّا بأصل فضيلة لا وجود لها فى الآخر؛ لكونه عالما، و الآخر ليس بعالم، أو بزيادة فيها، كونه أعلم [١].
و قد يطلق و يراد به اختصاص أحد الشخصين بأنه أكثر ثوابا عند الله تعالى من الآخر.
و على هذا، فإن أريد بالتفضيل الاعتبار الأول؛ فلا يخفى أن دليل ذلك غير مقطوع به؛ لتعارض أدلته، و ذلك أنه ما من فضيلة تبين اختصاص بعض الصحابة بها، إلّا و قد يمكن بيان مشاركة الآخر له فيها، و بتقدير أن لا يشاركه فيها؛ فقد يمكن بيان اختصاصه بفضيلة أخرى، معارضة لفضيلته، و لا سبيل إلى الترجيح بكثرة الفضائل؛ لاحتمال أن تكون الفضيلة الواحدة أرجح من فضائل. و ذلك إما لزيادة شرفها فى نفسها، أو لزيادة كميتها، و بالجملة فما يقال فى ذلك؛ فالظنون فيه متعارضة.
و إن أريد بالتفضيل الاعتبار الثانى: فلا يخفى أن معرفة ذلك ممّا لا يستقل به العقل، و إنما مستنده الأخبار الواردة من الله- تعالى- فى ذلك على لسان رسوله، و الأخبار الواردة فى ذلك كلها أخبار آحاد لا تفيد غير الظن، و مع ذلك فهى متعارضة كما سبق. و ليس الاختصاص بكثرة أسباب الثواب، موجبا لزيادة الثواب قطعا؛ إذ الثواب بفضل من الله على ما سبق فى التعديل و التجوير [٢]، و قد يثيب غير المطيع، و لا يثيب المطيع؛ بل إن كان و لا بدّ فليس إلّا بطريق الظن، و على هذا. و إن قلنا بأن إمامة المفضول، لا تصح مع وجود الفاضل، فليس ذلك ممّ ينتهض الحكم فيه إلى القطع؛ بل غايته الظن، فإجماع الأمة على إمامة أحد، و إن كان قاطعا فى صحة إمامته؛ فلا يكون قاطعا فى لزوم تفضيله [٣].
و لا خلاف بين أهل الحق أن الأنبياء، أفضل من الأئمة، و سائر الأمم.
و ما ذهب إليه [غلاة] [٤] الروافض من تفضيل عليّ، على غير محمد- صلى اللّه عليه و سلم- من الأنبياء، فظاهر
[١]
راجع المغنى ٢٠/ ٢/ ١١٥ و ما بعدها.
[٢]
راجع ما سبق فى الجزء الأول- القاعدة الرابعة- النوع السادس الأصل الأول: فى التعديل
و التجوير ل ١٨٦/ ب و ما بعدها.
[٣]
قارن بما ورد فى الإرشاد للجوينى ص ١٤٢، و الاقتصاد فى الاعتقاد للإمام الغزالى ص
٢١٩.
[٤]
ساقط من «أ».