أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٠٨
الرسول- عليه السّلام- و هؤلاء هم الأكثرون و يدل على وعيدهم، و ذمهم مع ظنهم أنهم على الحق قوله تعالى: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ/ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [١]، و قوله تعالى: وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [٢]، و قوله تعالى: وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ [٣] إلى غير ذلك من الآيات.
فإن قيل: ما ذكرتموه و إن دل على أنهم غير معذورين، غير أن عجزهم عن إدراك الحق بعد النظر، و المبالغة فى الاجتهاد، موجب لعذرهم، فلو عاقبهم بعد ذلك، كان ذلك تكليفا بما لا يطاق و قد قال- تعالى-: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [٤].
قلنا: أما التكليف باعتقاد الحق؛ فمعلوم بالضرورة من أقوال الشارع، و أفعاله على ما سبق [٥].
و قولهم: إن ذلك تكليف بما لا يطاق، و لا نسلم أنه تكليف بما لا يطاق؛ فإن ذلك ممكن لهم؛ إذ الأدلة على الحق منصوبة ظاهرة، و العقل الّذي به المعرفة حاضر عتيد لديهم، و مع ذلك فالمعرفة للحق تكون ممكنة، لا ممتنعة؛ فالتكليف بها لا يكون تكليفا بما لا يطاق [٦].
و إن سلمنا أنه تكليف بما لا يطاق، غير أنه جائز على ما تقدم فى التعديل و التجوير [٧].
و أما قول العنبرى: بأن كل مجتهد فى العقليات مصيب: إما أن يريد به الإصابة فى الاجتهاد: أى أنه أتى بما أمر به من الاجتهاد، و الّذي هو منتهى مقدوره، و اما أن يريد به الإصابة فى نفس المجتهد فيه، و أن ما اعتقده على وفق اعتقاده، و إما أن يريد به أنه معذور غير آثم: كما هو مذهب الجاحظ، أو معنى آخر.
فإن كان الأول: فهو حق غير أنه لا يمتنع مع ذلك الذم، و العقاب؛ لعدم إصابة الحق فى المعتقد كما سبق.
[١]
سورة ص: ٣٨/ ٢٧.
[٢]
سورة فصلت: ٤١/ ٢٣.
[٣]
سورة المجادلة: ٥٨/ ١٨.
[٤]
سورة البقرة: ٢/ ٢٨٦.
[٥]
راجع ما مر فى الجزء الأول- القاعدة الثانية: فى النظر و ما يتعلق به ل ٢٥/ أ و ما
بعدها.
[٦]
راجع ما فى الجزء الأول- القاعدة الرابعة- النوع السادس- الأصل الأول- المسألة الخامسة:
فى تكليف ما لا يطاق. ل ١٩٤/ ب و ما بعدها.
[٧]
راجع ما مر فى المصدر السابق.