مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٣٥١
لمّا رجع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من قتال أهل النهروان نزل براثا، وكان بها راهب في قلايته، وكان اسمه الحبّاب، فلمّا سمع الراهب الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الأرض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستفظع ذلك ونزل مبادراً فقال: من هذا ومن رئيس هذا العسكر؟ فقيل له: هذا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد رجع من قتل أهل النهروان، فجاء الحبّاب مبادراً يتخطّى الناس حتّى وقف على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقّاً حقّاً، فقال له (عليه السلام): وما علمك بأنّي أمير المؤمنين حقّاً حقّاً؟ فقال له: بذلك أخبرنا علماؤنا وأحبارنا، فقال له: يا حبّاب، فقال الراهب: وما علمك باسمي؟ فقال (عليه السلام): أعلمني بذلك حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال له حبّاب: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأنّك عليّ بن أبي طالب وصيّه.
فقال له أمير المؤمنين: وأين تأوي؟ فقال: أكون في قلاية لي هاهنا، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): بعد يومك هذا لا تسكن فيها ولكن ابن هاهنا مسجداً وسمّه باسم بانيه، فبناه رجل اسمه براثا، فسمّي المسجد ببراثا باسم الباني له، ثمّ قال (عليه السلام): ومن أين تشرب يا حبّاب؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا، قال: فلِمَ لا تحفر هاهنا عيناً أو بئراً، فقال: يا أمير المؤمنين كلّما حفرنا بئراً وجدناها مالحة غير عذبة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): احفر هاهنا بئراً، فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها، فقلعها أمير المؤمنين (عليه السلام) فانقلعت عن عين أحلى من الشهد وألذّ من الزبد.
فقال له: يا حبّاب يكون شربك من هذه العين، أما إنّه يا حبّاب ستبنى إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها وتعظم البلاء، حتّى أنّه ليركب فيها كلّ ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام، فإذا عظم بلاؤهم شدّوا على مسجدك بفطوة