المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٧ - ثم دخلت سنة سبع و تسعين و مائة
طريق الأنبار و باب الكوفة و ما يليها، فكل ناحية أجابه أهلها خندق عليهم، و وضع مسالحه، و من أبى قاتله و أحرق منزله، فذلت الأجناد و تواكلت عن القتال، و بقي أهل السجون و الأوباش و الرعاع و الطرّارين [١]، و كان حاتم بن الصقر قد أباحهم النهب [٢].
و خرج من أصحاب طاهر رجل من أصحاب النجدة و البأس، فنظر إلى قوم عراة لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقابلنا إلا من أرى استهانة بهم. فقالوا: نعم، هؤلاء هم الآفة. فقال: أفّ لكم حين تنكصون عن هؤلاء، و لا عدّة لهم. فأوتر قوسه و تقدم، فقصده أحدهم و في يده باريّة مقيّرة، و تحت/ إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيّار، فيأخذه من باريته فيجعله في موضع من البارية قد هيأه لذلك كالجعبة و يصيح: دانق، أي هذا ثمن النشابة. فأنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيار ليضربه بالسيف، فأخرج العيار حجرا من مخلاته فجعله في مقلاع و رماه، فما أخطأ عينه، ثم ثناه بآخر فكاد يصرعه عن فرسه، فكرّ راجعا و هو يقول: ليس هؤلاء بإنس، فحدّث طاهرا بهذا فضحك و أعفاه من القتال و قال في هذا بعض شعراء بغداد:
خرّجت هذه الحروب رجالا * * * لا لقحطانها و لا لنزار
معشرا في جواشن الصّوف يغدون * * * إلى الحرب كالأسود الضّواري
و عليهم مغافر الخوص تجزيهم * * * عن البيض و التّراس البواري
ليس يدرون ما الفرار إذا الأبطال * * * عاذوا من القنا بالفرار
واحد منهم يشدّ على * * * ألفين عريان ما له من إزار
و يقول الفتى إذ طعن الطعنة * * * : خذها من الفتى العيّار
كم شريف قد أخملته و كم قد * * * رفعت من مقامر طرّار [ (٣
و لم يزل طاهر [٤] يصاير محمدا و جنده حتى ملّ أهل بغداد، فاستأمر إلى طاهر خلق
[١] الطرّ: الخلس (القاموس).
[٢] تاريخ الطبري ٨/ ٤٤٥- ٤٤٨.
[٣] في الأصل: «رفعت من مقامر عيار» و ما أثبتناه من تاريخ الطبري.
[٤] انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٤٥٧- ٤٥٨.