المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٤٤ - ١١٨٨- أحمد بن أبي خالد، أبو العباس
فأقاما على الإنكار فضربتهما، فاعترفا على الجارية بكل ما كان في الرقعة و إني لم أذق أمس و لا اليوم شيئا، و قد هممت بقتل الجارية. قال: فوجدت مصحفا بين يديه ففتحته، و كان أوّل ما وقعت عيني عليه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ] [١] الآية.
قال: فشككت أنا في صحة الحديث، و أريته ما خرج به الفأل، و قلت له: دعني أتلطف في كشف هذا. فقال: افعل، فخلوت بأحد الخادمين و رفقت به و باحثته عن الأمر، فقال: النار و لا العار، و ذكر أن امرأة أحمد بن أبي خالد وجهت إليه بكيس فيه ألف دينار و سألته الشهادة على الجارية و أمرته أن لا يذكر شيئا إلا بعد أن يوقع به المكروه لئلا يرتاب به [٢]، و يكون أثبت للخبر، و أحضر الكيس مختوما بخاتم المرأة، و دعوت الآخر فاعترف بمثل ذلك، و أمرته أن لا/ يذكر شيئا، فأكتب إلى أحمد بالبيان، فما وصل إليه [٣] حتى وردت عليه رقعة الحرة [٤] تعلمه أن الرقعة الأولى من فعلها كانت غيرة عليه من الجارية، و أن جميع ما فيها باطل، و أنها حملت الخادمين على ذلك، و أنها تائبة إلى اللَّه من هذا الفعل، فجاءته براءة الجارية من كل جهة، فسرّ بذلك و زال ما كان به، و أحسن إلى الجارية.
قال أبو بكر الصولي: مات أحمد بن أبي خالد وزير المأمون يوم الإثنين لعشر خلون من ذي الحجة [٥] سنة إحدى عشرة و مائتين، فصلى عليه المأمون، فلما دلّي في قبره ترحم عليه و قال: كنت و اللَّه كما قال الشاعر:
أخو الجد إن جد الرجال و شمروا * * * و ذو باطل إن كان في القوم باطل
[١] سورة: الحجرات، الآية: ٦.
[٢] في ت: «مكروها ينهمه».
[٣] في ت: «فبادرت إلى أحمد بالبشارة فما وصلت إليه».
[٤] في الأصل: «رقعة أخرى».
[٥] في ت: «ذي القعدة».