الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٨٨
ولكن هناك طائفة ثالثة ترى أَنَّ من الممكن التعرف على صفاته سبحانه من طريق التدبر و ترتيب الأَقيسة المنطقية و تنظيم الحجج العقلية على ضوء ما أَفاض الله سبحانه على عباده من نعمة العقل و الفكر، بشرط أنْ يكون الباحث محايداً، منحازاً عن أَيَّ رأْي مسبق، و أَن يكون في بحثه و نقاشه مخلصاً للحق غير مبتغ إِلاَّ إِياه.
وحجتهم في ذلك أَنَّ الله سبحانه ما نص على أَسمائه و صفاته في كتابه و سنة نبيه إلاّ لكي يتدبر فيها الإِنسان بعقله و فكره في حدود الممكن و المستطاع مجتنباً إِفراط المشبهة و تفريط المعطلة. فهذا أمر يَدْعُو إِليه العقل و الكتاب العزيز و السنَّة الصحيحة.
و هناك كلمة قيمة للإِمام علي ـ عليه السَّلام ـ تدعو إلى ذلك الطريق الوسط، قال ـ عليه السَّلام ـ : «لم يُطْلِع العقولَ على تحديد صفته، و لم يحجُبْها عن واجب معرفته»[١]. و العبارة تهدف إلى أَنَّ العقول و إِنْ كانت غير مأْذونة في تحديد الصفات الإِلهية لكنها غير محجوبة عن التعرف حسب ما يمكن، كيف و قد قال سبحانه: (وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)[٢]. والعبادة الصحيحة و الكاملة لا تتيسّر إِلاّ بعد أَنْ تتحقق المعرفة المستطاعة بالمعبود.
و يكفي في تعيّن هذا الطريق ما ورد في أَوائل سورة الحديد من الآيات الستّ و نذكرها تبركاً و هي قوله سبحانه: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ يُحْيي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ * هُوَ الاَْوَّلُ وَ الآَخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٣٩.
[٢] سورة الذاريات: الآية ٥٦.