الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢١٥
قديماً لَكانَ إِلهاً ثانياً»[١].
و ثانياً - نحن نَختارُ الشِقّ الثاني، و لا يلزم التسلسل. و نلتزم بأنَّ هنا قولا سابقاً على القرآن هو غير مخلوق أوجد به سبحانه مجموع القرآن و أَحدثه حتى كلمة «كن» الواردة في تلك الآية و نظائرها. فتكون النتيجة حدوث القرآن و جميع الكتب السماوية و جميع كَلِمِه و كلامه إِلاَّ قولا واحداً سابقاً على الجميع. فينقطع التسلسل بالإِلتزام بعدم مخلوقية لفظ واحد.
ثالثاً - كيف يمكن أنْ تكون كلمةُ «كن» الواردة في الآية و أَمثالها قديمةً. مع أنها إخبار عن المستقبل فتكون حادثة. يقول سبحانه مخبراً عن المستقبل (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيء إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). و لأَجل ذلك التجأ المتأخرون من الأَشاعرة إلى أَنَّ لفظ «كن» حادث و القديم هو المعنى الأَزلي النفساني[٢].
الدَّليل الثاني - قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالأَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْـلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَْمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَـالَمِينَ)[٣].
قال الأشعري: فـ «الخلق» جميع ما خلق داخل فيه، و لما قال «والأمر» ذكر أَمراً غير جميع الخلق. فدل ما وصفناه على أنَّ أَمر الله غير مخلوق. و أَما أَمر الله فهو كلامه. و باختصار: إِنَّه سبحانه أَبان الأَمر من الخلق، و أمرُ الله كلامه، و هذا يوجب أنْ يكون كلام الله غير مخلوق[٤].
يلاحَظُ عليه: إِنَّ الإِستدلال مبني على أَنَّ «الأَمر» في الآية بمعنى كلام الله و هو غير ثابت بل القرينة تدل على أَنَّ المراد منه غيره، كيف و قد قال
[١] نهج البلاغة، الخطبة ١٨٦.
[٢] دلائل الصدق حاكياً عن الفضل بن روزبهان الأشعري، ج ١، ص ١٥٣.
[٣] سورة الأعراف: الآية ٥٤.
[٤] الإِبانة، ص ٥١ - ٥٢.