الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٢
والحق إِنَّ المسألة بديهية للغاية و ما أثير حولها من الشبهات خصوصاً ما ذكره الشيخ الأشعري في (اللمع) أشبه بالشبه السوفسطائية[١]. و مثله ما ذكره تلاميذ مدرسته، كالتفتازاني في (شرح المقاصد) و نظام الدين القوشجي في (شرح التجريد)[٢]. و ما ذكرناه من التفصيل هو الحاسم في البحث، و يظهر لبّه من فخر الدين الرازي الذى نقله السيد الجرجاني في (شرح المواقف)[٣].
و بذلك يظهر أَنَّ ما أقامته المعتزلة من البراهين على تقدم القدرة على الفعل تنبيهات على المسألة، و لا يحتاج الأمر إلى هذا التفصيل المُسْهَب. ولكن الذي ينبغي البحث عنه هو تبيين الحافز الذي دعى الشيخ الأشعريّ إلى اختيار ذلك المذهب (مقارنة القدرة للفعل). مع أَنَّ التقدم و المقارنة بانسبة إلى ما جاء في الكتاب و السنّة متساويان، فإذاً يقع الكلام في تعيين الداعي إلى اختيار القول بالتقارن بل التركيز عليه.
المحتمل قوياً أنْ يكون الداعي هو قوله بمسألة خلق أفعال العباد، و إنها مخلوقة لله لا للعباد لا أصالة و لا تبعاً، حتى أنَّ القدرة الحادثة في العبد عند حدوث الفعل غير مؤثرة في إيجاده بل مقارنة له. فإذاً المناسب لتلك العقيدة نفي القدرة المتقدمة على الفعل، والإكتفاء بالمقارن له، و كأن الشيخ تصوّر أن القدرة المتقدمة على الفعل تزاحم قدرة الله تعالى فلأجل ذلك وجد في نفسه دافعاً روحياً إلى البرهنة على بطلان التقدم و إثبات التقارن.
[١] لا حظ اللمع، ص ٩٣ - ٩٤.
[٢] شرح المقاصد، ج ١، ص ٢٤٠ و شرح القوشجي، ص ٣٩٢.
[٣] شرح المواقف، ج ٦، ص ١٥٤.
و قد جاء الأستاذ دام حفظه بجميع ما تورته الأشاعرة من البراهين العقلية في كتابه «الملل و النحل» فلاحظ ج ٢، ص ١٧٢ - ١٩٣.