الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٧
إِنَّ برهان النَّظم مركَّب من مقدمتين، إِحداهما حسّية و الأَخرى عقليَّة و دور الحسّ ينحصر فى إِثبات الموضوع، أَيْ وجود النظام في الكون و السنن السائدة عليه، و أَمَّا دور العقل فهو يرجع إلى أَنَّ هذا النّظام بالكيفيَّة و الكميَّة المحددة، لا يمكن أنْ يكون نتيجة الصّدفة أَو أَيِّ عامل فاقد للشعور.
أَمّا الصغرى، فلا تحتاج إلى البيان. فإِنَّ جميع العلوم الطبيعيَّة متكفلة ببيان النُّظُم البديعة السائدة على العالم من الذرة إلى المجرة، و إِنَّما المهم هو بيان الكبرى، و هي قضاء العقل بأَنه وليد دخالة عقل كبير في حدوثه من دون استعانة في حكمه بمسألة التشابه أَو التجربة. بل يستقل به مجرداً عن كل ذلك فنقول:
١ـ الإِرتباط المنطقي بين النظام و دخالة الشعور
إِنَّ العقل يحكم بوجود رابطة منطقية بين النظم و دخالة الشعور، و ذلك لأَنَّ النظم ليس في الحقيقة إِلاّ أُمور ثلاثة:
١ـ الترابط بين أَجزاء متنوعه مختلفة من حيث الكمية و الكيفية.
٢ـ ترتيبها و تنسيقها بنحو يمكن التعاون و التفاعل فيما بينها.
٣ـ الهادفية إلى غاية مطلوبة و متوخاة من ذلك الجهاز المنظم .
والنظام بهذا المعنى موجود في كل أَجزاء الكون من ذرته إلى مجرته، فإذا نظر العقل في كل جوانب الكون ابتداءً من الذرة و مروراً بالإِنسان و الحيوان و النبات وانتهاءً بالنجوم و الكواكب و المجرّات و رأى فيها أجزاءً مختلفة في الكمية و الكيفية أَولا، و منسقة و مرتبة بنحو خاص ثانياً، ورأى كيف يتحقق بذلك الهدف المنشود من وجودها ثالثاً، حكم من فوره بأَنَّ ذلك لا يمكن أَنْ يصدر إِلاّ من فاعل عاقل، و خالق هادف شاعر، يوجد الأجزاء المختلفة كمّاً و كيفاً، و يرتبها و ينسّقها بحيث يمكن أَنْ تتفاعل فيما بينها و تتعاون لتحقيق الهدف المطلوب من وجودها.