الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧
المثال الثاني: لنفترض أنَّنا دخلنا إلى غرفة فيها شخصان كل منهما جالس أمام آلة طابعة يريدان تحرير قصيدة لأحد الشعراء فالأول يحسن القراءة و الكتابة، و يعرف مواضع الحروف من الآلة و الآخر أمّي لا يجيد سوى الضغط بأصابعه على الأزرار، فيشرعان بعملهما في لحظة واحدة.
الذي نلاحظه أنَّ الأول دقيق في عمله يضرب بأصابعه حسب الحروف الواردة في القصيدة دون أن يسقط حرفاً أو كلمة منها.
و أَمَّا الآخر، الأُمي البصير، فيضرب على الآلة دون علم أَو هدىً و لا يستطيع أَنْ يميز العين من الغين، و السين من الشين: و نتيجة عمله ليست إِلاّ الهباء و إِتلاف الأَوراق، و لا يأتي بشيء مما أَردناه:
فنتاج الأول محصول كاتب متعلّم، و نتاج الثاني محصول جاهل لا علم له و لا خبرة و لو أُعطي المجال للألوف ممن كف بصرهم و حرموا لذة العلم و التعلم أَنْ يحرروا نسخة صحيحة من ملايين النسخ التي يحررونها لاستحال ذلك، لأَنهم يفقدون ما هو العمدة و الأَساس.
و لعلَّنا نشاهد في كل جزء من هذا الكون مثل تلك الصفحة التي حررت فيها قصيدة الشاعر و ترانا ملزمين بالإعتراف بعلم و معرفة و حسن أُسلوب كاتبها و نجزم بأَنه بصير لم يكن فاقداً للعلم، و لم يكن فعله مشابهاً لفعل صبي رأى نفسه في غرفة خالية، فطرق في خياله أَنْ يلهو و يلعب على آلة طابعة كي ينتج تلك الصفحة من قصيدة الشاعر.
و بعد ذكر الأَمثلة المتقدّمة يتَّضح لنا الفرق بين الأعمال التي تصدر عن إِرادة و تدبّر، و التي تحدث عن طريق الصدفة، إِذ لا إرادة فيها و لا تدبر.
و هذه القاعدة التي يدركها العقل (لا بفضل التجربة بل في ضل التفكر و التعقل) هي روح برهان النَّظم الذي هو من أَوضح براهين الإِلهيين في