الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢١٠
بعدم خلق القرآن و قدمه و التجأوا إلى أنّ المراد من كلام الله تعالى ليس هو القرآن المقروء بل الكلام النفسي، و قد عرفت مدى صحة القول بالكلام النفسي[١].
و على كل تقدير فالقول بِقدَم الكلام النفسي ليس بمنزلة القول بِقدَم القرآن المقروء.
٥ـ كيف يكون القول بخلق القرآن و حدوثه مِلاكاً للكفر مع أنَّه سبحانه يصفه بأنَّه محدث أَيٌ أَمر جديد؟
قال سبحانه: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَة مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْر مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَث إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ)[٢]. والمراد من الذكر هو القرآن الكريم لقوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[٣]، و قوله سبحانه: (وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَ لِقَوْمِكَ)[٤].
والمراد من «مُحْدَث» هو الجديد، و هو وصف لِلذِكْر. و معنى كونه جديداً أنه أتاهم بعد الإِنجيل. كما أنَّ الإِنجيل جديد لأنه أتاهم بعد التوراة. و كذلك بعضُ سور القرآن و آياته ذكر جديد أتاهم بعد بعض. و ليس المراد كونه مُحْدَثاً من حيث نزوله، بل المراد كونه مُحْدَثاً بذاته بشهادة أَنَّه وصف لـ«ذكر». فالذكر بذاته مُحْدَث، لا بنزوله فلا معنى لتوصيف المحدث بالذات بكونه من حيث النزول[٥].
و كيف يمكن القول بقدم القرآن مع أنه سبحانه يقول في حقه: (وَ لَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً)[٦]، فهل
[١] ليس هذا أَول مورد تقوم فيه الأشاعرة لإِصلاح عقيدة أهل الحديث، بل قامت بذلك في عدة موارد بهدف إخراجها في قالب يقبله العقل.
[٢] سورة الأنبياء: الآية ١ - ٢.
[٣] سورة الحجر: الآية ٩.
[٤] سورة الزخرف: الآية ٤٤.
[٥] لِتَقَدُّمِ ما بالذَّات على ما بِالعَرَض.
[٦] سورة الإِسراء: الآية ٨٦.