الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٤٢
الأشياءِ قريبةً إليه دون بعضها الآخر، كالإِنسان الذي يعيش في مكان و زمان خاص. فإِنَّ الأشياء الغابرةِ أو المستقبَلَة خارجةٌ عن حَوْزة قدرته، لمحدودية ذاته بالقيود الزمانية و المكانية. و أَما المجرد التام الخالق لكل الأَزمنة و الأَمكنة و الجواهر و الأَعراض فلا معنى لأن تكون ذاتُه قريبة إلى واحد و بعيدة عن الآخر.
هذا توضيح ذلك البرهان.
و هناك برهان آخر أروع و أبْهى مما ذُكر يبتنى على عدم تناهي ذاته سبحانه في الجمال و الكمال و حاصله أنَّ وجوده سبحانه غير محدود ولا متناه، بمعنى أَنَّه وجود مُطْلَق لا يَحُدُّه شيء من الحدود العقلية والخارجية. و ما هو غير متناه في الوجود، غير متناه في الكمال و الجمال، لأَن منبع الكمال هو الوجود، فعدم التّناهي في جانب الوجود يُلازم عدمه في جانب الكمال، و أيّ كمال أروع و أبهى من القدرة فهي غير متناهية تبعاً لعدم تناهي كماله، فيثبت سعة قدرته لكل ممكن بالذات.
سعة قدرته سبحانه بمعنى آخر
إِنَّ لِسَعَةِ قدرته سبحانه معنيين أَحدهما ما تعرفت عليه، و الثاني ما طرحه الحكماء في كتبهم. و حاصلُه أنَّ الظواهرَ الكونية، مجرَّدَها و مادّيَّها، ذاتَها و فعلَها، تنتهي إلى قدرته سبحانه. فكما أنَّه لا شريك له في ذاته، لا شريك له في فاعليته. فكلُّ ما يُطلَق عليه كلمةُ الموجود فهو مخلوق لله سبحانه مباشرةً أو على نحو الأسباب و المُسبَّبات، فالكل يستند إليه لا محالة. و هذا هو التَّوحيد في الخالقية الذي سنشرحه عند البحث في الصّفات السَّلبية.
و المخالف لهذا المعنى من سعة القدرة هم الثنوية الذين جعلوا فاعل الخير غير فاعل الشر، و عامةُ المعتزلة الذين صيروا الإِنسان فاعلا مستقلا في