الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٦
عاقل، و لكننا لم نجرّب ذلك في الكون، فإِنَّ الكون لم يتكرر وجوده حتى يقف الإِنسان على كيفية خلقه و إِيجاده، بل واجهه لأول مرة، و بهذا لا يمكن أَنْ يثبت له علّة خالقة على غرار مصنوعات البشر إِلا إِذا جرّبه من قبل عشرات المرات، و شهد عملية الخلق و التكوّن كما شاهد ذلك و جرَّبه في المصنوعات البشرية، حتى يقف على أَنَّ الكون بما فيه من النّظام لا يمكن أَنْ يوجد من دون خالق عليم و صانع خبير. هذا هو محصل إِشكاله أَوردناه بغاية الوضوح.
إِنَّ ماذكره من الإِشكال ينم عن فهم ساذج وسطحي للغاية لبرهان النَّظم، و يعرب عن فقدان الغرب لمدرسة فلسفية متكاملة تدرك و تستوعب برهان النَّظم بصورته الصحيحة، فإِنَّ هذا البرهان لا يرتبط أَبداً بالتشابه و التمثيل و التجربة، و إِنَّما هو برهان عقلي تام، يحكم العقل فيه بعد ملاحظة طبيعة النظام و ماهيته بأَنَّه صادر من فاعل عاقل و خالق قدير.
توضيح ما ذكرناه أَنَّ برهان النَّظم ليس مبنياً على التشابه بين مصنوعات البشر و الموجود الطبيعي كما جاءَ في اعتراض «هيوم»، حتى يقال بالفرق بين الصنفين، و يقال هذا صناعي و ذاك طبيعي و لا يمكن إِسراء حكم الأَول إلى الثاني.
و لا على التماثل - الذي هو المِلاك في التجربة - حتى يقال إِنَّا جربنا ذلك في المصنوعات البشرية و لم نجرّبه في الكون لعدم تكرر وقوعه و عدم وقوفنا على تواجده مراراً، فلا يصح سحب حكم الأَول على الثاني و تعديته إليه.
و إِنَّما هو قائم على ملاحظة العقل للنَّظم و التناسق و الإِنضباط بين أَجزاء الوجود، فيحكم بما هو هو، من دون دخالة لأَية تجربة و مشابهة، بأَنَّ موجد النَّظم لا محالة يكون موجوداً ذا عقل و شعور، و إليك البيان: