الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٨٧
بين التشبيه و التعطيل
على ذلك الأَساس افترق الإِلهيون إلى مشبهة تشبه ربَّها بإِنسان له لحم، ودم، و شعر، وعظم، و له جوارح و أعضاء حقيقيّة من يد، ورجل، و رأْس، و عينين، مصمت، له وفرة سوداء، و شعر قطط. يجوز عليه الإِنتقال و المصافحة[١].
فهؤلاء تورَّطوا في مغبة التجسيم و مهلكة التشبيه. و إنكارُ بارئ بهذه الأَوصاف المادية المُنْكَرَة أَولى من إثباته رباً للعالم، لأَن الإعتقاد بالبارئ على هذه الصفات يجعل الأُلوهيَّة و الدعوة إليها أَمراً مُنْكَراً تتنفر منه العقول و الأَفكار المنيرة.
فإِذا كانت تلك الطائفة متهورة في تشبيهها و مفرطة في تجسيمها، فإِنّا نَجِدُ في مقابلها طائفةً أخرى أَرادت التحرز عن وصمة التشبيه و عار التجسيم فوقعت في إِسارة التعطيل، فحكمت بتعطيل العقول عن معرفته سبحانه و معرفة صفاته و أفعاله، قائلة بأنه ليس لأحد الحكم على المبدأ الأَعلى بشيء من الأحكام، و ليس إلى معرفته من سبيل إلاّ بقراءة ما ورد في الكتاب و السنة، فقالت: إنَّ النجاة كل النجاة في الاعتراف بكل ما ورد في الشرع الشريف من دون بحث و نقاش ومن دون جدل و تفتيش. فهذا «مالك» عندما سئل عن معنى قوله سبحانه: (ثم استوى على العرش)، قال: الإِستواء معلوم، والكيف مجهول، و الإِيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة[٢].
و قد نُقل عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: «كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته و السكوت عليه»[٣].
[١] الملل و النحل، ج ١، ص ١٠٤.
[٢] الملل و النحل، ج ١، ص ٩٣.
[٣] الرسائل الكبرى لابن تيمية، ج ١، ص ٣٢.