الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٨
و هذا الحكم الذي يصدره العقل لا يستند إلى شيء غير النظر إلى ماهية النظام و طبيعة الآبية للتحقق بلا فاعل عاقل مدبر. و هو لا يستند لا إلى التشابه و لا إلى التجربة كما تخيل (هيوم) و أَضرابه.
إِنَّ ملاحظة العقل لما في جهاز العين أَو الأذن أَو المخ أَو القلب أو الخلية من النظام، بمعنى وجود أَجزاء مختلفة كمّاً و كيفاً، أولا، و تناسقها بشكل يمكنها من التفاعل فيما بينها ثانياً، و تحقيق الهدف الخاص منها ثالثاً، يدفع العقل إلى الحكم بأنها من فعل خالق عليم، لاحتياجها إلى دخالة شعور و عقل و هادفية و قصد.
و بهذا تبين أَنَّ بين الجهاز المنظّم، و دخالة العقل و الشعور رابطة منطقية. و إِنْ شئت قلت: إِنَّ ماهية نفس النظام بمقوّماته الثلاثة (الترابط، و التناسق، و الهادفية) تنادي بلسانها التكويني: إِنَّ النظام مخلوق عقل واسع و شعور كبير.
٢ـ تقرير الرابطة المنطقية بين النظام و دخالة الشعور بشكل آخر
إِنَّ العقل عندما يرى اجتماع ملايين الشرائط اللازمة لاستقرار الحياة على الأرض بحيث لو فقد بعضها لاختلت الحياة، أو عندما يرى اجتماع آلاف الأَجزاء و العناصر اللازمة للإِبصار، في العين، بحيث لو فقد جزء واحد أو تقدم أو تأخر عن مكانه المعين لاختلت عملية الرؤية واستحال الإِبصار، يحكم أَنَّ هناك عقلا جباراً أرسى مثل هذا النظام، و أوجد مثل هذا التنسيق و الإِنسجام و الترتيب و التوفيق، و يحكم بدخالة الشعور في ذلك و نفي حصوله بالصدفة و الإِتفاق، لأنَّ اجتماعها عن طريق الصدفة كما يمكن أن يكون بهذه الصورة المناسبة كذلك يمكنه أن يكون بما لا يعدّ ولا يحصى من الصور و الكيفياتْ الأُخرى غير المناسبة، و حينئذ يكون احتمال استقرار هذه الصورة من بين تلكم الصور الهائلة، احتمالا ضعيفاً جداً يكاد يبلغ الصفر الرياضي في ضآلته، و هو ما لا يذهب إليه الإِنسان العادي فضلا عن العاقل المحاسب.