الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩١
قال ابن أبي الحديد: «هذان الركنان هما ركنا علم الكلام و هما شعار أصحابنا المعتزلة لنفيهم المعاني القديمة التي يثبتها الأشعري و أصحابه، و لتنزيههم الباري سبحانه عن فعل القبيح، و معنى قوله: «أنْ لا تتوهمه»: أنْ لا تتوهمه جسماً أو صورة أو في جهة مخصوصة أو مالئاً لكل الجهات، كما ذهب إليه قوم، أو نوراً من الأنوار، أو قوة سارِيّة في جميع العالم كما قاله قوم، أو من جنس الأَعراض التي تحل الحالّ أو تحل المَحَل و ليس بعَرض، كما قاله النصارى، أو تحله المعاني والأعراض فمتى تُوُهّم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد.
و أما الركن الثاني فهو «أنْ لا تتهمه»: أي أَنْ لا تتهمه في أنَّه أَجبرك على القبيح و يعاقبك عليه، حاشاه من ذلك و لا تتهمه في أنَّه مكّن الكذّابين من المعجزات فأضل بهم الناس، و لا تتهمه في أَنَّه كلّفك ما لا تطيقه و غير ذلك من مسائل العدل التي يذكرها أَصحابنا مفصلة في كتبهم، كالعوض عن الأَلم فإِنه لا بدّ منه، و الثواب على فعل الواجب فإِنه لا بد منه، و صدق وعده و وعيده فإِنه لا بد منه.
و جملة الأمر أَنَّ مذهب أَصحابنا في العدل و التوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ . و هذا الموضع من المواضع التي قد صرّح فيها بمذهب أصحابنا بعينه و في فرض كلامه من هذا النمط ما لا يحصى»[١].
٢ـ روى (الصدوق) عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ أَنَّ رجلا قال له: إِنَّ أساس الدين التوحيد والعدل، و عِلْمُهُ كثيرٌ، و لا بُدّ لعاقل منه، فاذكر ما يَسْهُلُ الوقوفُ عليه و يتهيّأ حفظُه. فقال ـ عليه السَّلام ـ : «أَمّا التّوحيدُ فَأَنْ لا تُجَوِّزَ عَلى رَبِّك ما جازَ عليكَ، و أمّا العَدْل فَأَنْ لا تَنْسبَ إلى خَالِقِكَ ما لاَمَكَ عَلَيْهِ»[٢].
[١] شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ٢٠، ص ٢٢٧.
[٢] التوحيد، باب معنى التوحيد والعدل، الحديث الأول، ص ٩٦.