الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٩
باستقلال العقل في مجال الحُسن و القُبح، حكمنا بصدقه، لقبح إعطاء البيّنات للمدعي الكذّاب، لما فيه من إضلال النَّاس. و أمَّا إذا عزلنا العقل عن الحكم في المقام، فلا دليل على كونه نبيّاً صادقاً، والشرع بعد لم يثبت حتى يحكم بصدقه.
٧ـ الخاتمية و استمرار أحكام الإِسلام
إِنَّ استقلال العقل بالتحسين و التقبيح، بالمعنى الذي عرفت من الملاءَمة للفطرة العلوية و المنافرة لها، أساس الخاتميَّة و بقاء أحكام الإِسلام و خلودها إلى يوم القيامة. و ذلك أنَّ الفطرة مشتركة بين جميع أفراد البشر و لا تتبدل بتبدل الحضارات و تطّور المدنيّات، فإِنَّ تبدلها لا يمسّ فطرة الإِنسان و لا يغيّر جبلّته، فيصبح ما تستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم القيامة، و لا يتطرق التبدل و التغيّر إليه[١].
٨ـ ثبات الأخلاق
إِنَّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور و الحضارات أو تبدلها تبعاً لاختلافها، مما طرح مؤخراً عند الغربيين ودارت حوله المناقشات و أبديت فيه الآراء، فمن قائل بثبات أصولها، و من قائل بتبدلها و تغيّرها حسب تغيّر الأنظمةو الحضارات. ولكن المسألة لا تنحل إلاّفي ضوء التحسين و التقبيح العقليين الناشئين من قضاء الجِبِلَّة الإِنسانية العالية و الفطرة الثابتة، فعند ذاك تتّسم أصول الأخلاق بسمة الثبات و الخلود. و أما ما يتغير بتغير الحضارات فإنما هو العادات و التقاليد العرفية.
خذ على ذلك مثلا «إكرام المحسن»، فإنه أمر يستحسنه العقل، و لا يتغير حكم العقل هذا أبداً،و إنما الذي يتغير بمرور الزمان، وسائل الإِكرام و كيفياته. فإذاً، الأصول ثابتة، و العادات و التقاليد - التي ليست إلاّ لباساً للأصول - هي المتغيّرة.
[١] سنبحث عن خاتمية الإِسلام في مباحث النبوّة الخاصّة.